أطباء وأدباء أيضا
سٌئل مرة الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف وكان طبيبا مشهورا أيضا,أيهما أهم في حياتك,الطب أم الأدب؟ فأجاب :أعتبر مهنة الطب زوجتي الشرعية بينما الادب عشيقتي المفضلة ولا غنى للأسف عندي عن أي منهما.
في ممارسة الطب يعيش الأطباء هزائم وانتصارات متتعددة على جبهة الثالوث المقدس"الطبيب ,المريض والمرض"حيث يتحول انتصار الطبيب هزيمة للمرض وعزيمة المريض انتصارا للطبيب.فمن الضروري معرفة أي نوع من المرض يصيب المريض بقدر ما هو مهم معرفة أي نوع من المرضى يستحوذ عليهم المرض.
اذا كان الطب مهنة انسانية رائعة فإن الأدب هو أيضا طب للنفوس وبذلك يصبح هدفهما واحد ألا وهو معالجة الجسد والروح معا.
والطب هو المهنة الوحيدة التي تتعامل مع الانسان في ضعفه ووهنه وخوفه,تفرض عليك أن تسمع آخر كلمات المحتضر وهلوسة الغائب عن الوعي وترى مشهد الموت مرارا وتكرارا.ومعه فمن الطبيعي ان تصنع منك لو توفّرت الموهبة الكافية لذلك أديبا أو مشروع اديب. .
انها علاقة الأرض الجرداء بمياه المطر.
أسئلة بحاجة لكثير من الاجابات فلماذا نجد معظم طلبة الطب في العالم يحبّون الكتابة نثرا وشعرا وهل لدراسة الطب قدرة على كشف أعماق النفس التي غطّتها الأتربة الثقيلة خلال طفولتهم؟أم ان الطب هو أيضا ينعش ويوقظ من كان له موهبة وخمدت مع الأيام؟
ألأن الموت هو فجع والم فإن الطب هو أقرب الاحاسيس اليه؟فالطب كذلك يحفر عميقا في أسباب الألم بقدر ما يكشف عنه الادب وصفاً ودراسة.
الالم بمفهومه الفسيولوجي ومفهومه الاعلى عند الشعراء يكاد يكون كلمة السر المشتركة للدخول لعوالم الانسان الغامضة. فالعمل الجراحي بقدر ما يمثل مغامرة تستفز أعصاب الطبيب كذلك يستفز اعصاب القصيدة الحية!
واليد التي تحمل مبضع الجراحة قد تكون اكثر الايادي معرفة بالامساك بالقلم.
ومن يقلب في صفحات الادب يعثر على مؤلفات ادبية شهيرة جدا لأطباء مشاهير أيضا وحينما نستعرض حياة العلماء والفلاسفة في العصور القديمة نجد معظمهم قد جمعوا بينهما اي الادب والطب,ففي العصور العربية المختلفة وُجدت طائفة كبيرة من الاطباء عُنيت بالادب بحانب عنايتها بالطب وخلّفت ورائها اثارا قيّمة بارزة ,فطبيب العرب بن كلدة الثقفي كان يجيد فن القول والكلام أكثر من أي شاعر عاصره وابن سينا ترك مؤلفات فلسفية لا يضاهيها في مضمونها الا كتب ابن رشد الفيلسوف والقاضي الشهير والذي كان طبيبا للخليفة ايضا.
عندما سُئل الطبيب الشاعر ابراهيم ناجي صاحب رائعة "شمس الاصيل" والتي غنتها ام كلثوم عن كيفية جمعه بين الطب والادب فقال:
الناس تسأل والهواجس حجّة
طب وشعر كيف يتفقان؟
الشعر مرحمة النفوس وسرّه
صعبة للسماء ومنحة الديان
والطب مرحمة الجسوم ونبعه
من ذلك الفيض العلي الشأن
وفي هذا المجال يقول الطبيب والكاتب الانكليزي المشهور وليم سومرست موم بانه لم يعرف مرانا للكاتب أفضل من أن يقضي بضع سنوات في ممارسة الطب.
ومن الادباء العالميين الذين انجبهم الطب أيضا بالاضافة الى عملاق القصة القصيرة أنطون تشيخوف ظهر أميل زولا وجورج دوهاميل والشاعر الرومانسي جون كيتس وزميله في الشعر هكسلي والروائي المسرحي مكسيم بولغاكوف .
أما في الوطن العربي فنجد عدد غير قليل ممن جمعوا كلا الموهبتين ومن أشهرهم الطبيب السوري عبد السلام العجيلي والذي حقق نجاحات مميزة وعيادته في الرقة تعد اليوم بعد وفاته من أشهر معالم المدينة وكتاباته وصلت الى مرحلة الشهرة العالمية وترجمت الى اكثر من لغة.ونتذكرأيضا جراح العظام المصري محمد كامل حسين صاحب رائعة "قرية ظالمة" والدكتور نجيب الكيلاني الكاتب القصصي ,وأيضا لا يمكن أن ننسى يوسف ادريس الطبيب والذي تجاوزت شهرته العالم العربي.
اما عن الدكتور المصري مصطفى محمود والذي فارق الحياة منذ فترة وجيزة وهو طبيب امراض صدرية فقد فسر بطريقة علمية في برنامجه المشهور "العلم والايمان" ما يربط بين المخلوقات وسر الحياة وكتب عشرات الكتب وبضع روايات مميزة في مضمونها.
وها هي طبيبة العيون السورية هيفاء بيطار تتفرغ اليوم للرواية لتصبح من أشهر الروائيين وتعكس في كتاباتها عن معاناة النفس البشرية في الصحة والمرض.أما طبيبة الاطفال المغربية فاتحة مرشيد فهي شاعرة وروائية أيضا ولا تزال تمارس مهنة الطب وقد اجابت في احدى المقابلات عن سؤال كيف استطاعت التوفيق بين الكتابة والتطبيب بقولها:أنا عصفور يحلق بين أغصان متعددة لنفس الشجرة وبين أشجار متعددة لنفس الغابة ولو رحل الى غابات اخرى فهو عصفور وسيبقى كذلك:"
ولا يتسع المقام هنا لإيراد اسماء الاطباء الذين انصرفوا الى الادب والفكر مستلهمين من الطب بعض همومه وأشجانه وطغت شهرة الادب والابداع على حياتهم ,ولكنهم في الواقع أطباء أدركهم حب الادب ومتعة الفكر.
نعم ما أجمل أن يكون للطبيب رسلة مميزة في حياته,ويسعى الى انجازها وتحقيق شروط نجاحها ويتخطى من خلالها أسوار عيادته وحدود مرضاه ليصل الى المجتمع الكبير والهم الأسمى للأنسان وهو ان تكون مفيدا للاخرين اكثر من كونك مفيدا لأبنائك فقط
الادب هو فقط الفاصل لاعمالنا والجامع بيننا وما عداه فهوى ممارسة لمهنة قد تجمع من خلالها ثروة وقد تخسر ايضا من خلالها انسانيتك وهذا ما نخشاه وان ظهر في الافق بداية لعصر نقص المناعة الانسانية لدى بعض الاطباء!!!
الطبيب محمد نايف حسّون