السبت، 4 أكتوبر 2008

فرص

هناك عطل في دوران العلاقات ,هو زيف ما نسميه نحن الحرص على شعرة معاوية, أوليست الأخيرة هي من صفات الدهاة؟
لا أستطيع أن أرى الا في عالم الغاب هذا الحرص على اقتناص الفرص للقض على الفريسة! كلنا فرائس بانتظار أنياب حادة …
ليس هناك وضوح في الصورة بعد.
بؤس… هزيمة… انكسار… حتى على مستوى ترتيب العلاقات الداخلية ,الكل يحرص على أن يغلق أبوابه خوفا من أي ريح قد تهز بعضا من ممتلكاته.
والأعجب من كل ذلك هو اللجوء الى الله عند كل موقف لينقذنا ! كيف يستطيع المرء أن يغسل
كل أطرافه للوضوء وينسى غسل ضميره هذا مع العلم أن للقلوب قدرة على تحمل كل أنواع الغسيل.
أخاف النظر في عيون الذين اقابلهم وأصادفهم كل يوم فهي ترى كل شيء وتنسى

رؤية ما في داخلها!
لماذا أصبح عندنا عادة اقتناء النظارات السوداء؟ هل هذا من قبيل الحرص على الحفاظ على وجوهنا؟
بكاء...نحيب... صراخ... حدَث ولا حرج!
لماذا لا نبكي على أنفسنا ؟لأن سيوف الكراهية والأنانية مسلطة على رقابنا...
نتمسك بكل قشور الحياة ثم نناشد حياة أخرى في مكان اخر !
عجبا .. كلمة أصبحت على كل لسان ولماذا العجب من نفوس تشترى وتعار!
الحيلة هي طريقتنا الباقية لنا للدفاع عن كل ما تبقى لدينا من شهامة
ننتظر الجنائز لكي نقنع أنفسنا أننا لسن نحن من يوارى الثرى.. بل هو شخص اخر نحمد الله انه هو هو وليس أنا أنا
نمد أيادينا للعزاء وقلوبنا تنزف فرحا لان الموت اسبعد استجوابنا هذه المرة
نمجد الله في كل مناسبة وننسى تمجيد نوابه على الارض. نتباكى نحزن ولكن ذلك لا يترك أثرا حتى في وجوهنا.
الارحام تنزف ما تبقى عندها من دم لان أبنائها فقدوا كل الصلات معها.
الاخ ينهش أخيه وينتظر أيضا الفرصة لاستغلاله! الأب فقد القدرة على ترتيب أولوياته وتحول الى وسيط يجمع ما بين الاسم والعائلة, الام تصلي وتدعو الاه لكي يحفظ ما تبقى لديها من اولاد علهم لا يدخلون السجون لأن قلبها ينبئها بذلط!
مات كل شيء يا رب وعليك بلقاء الجميع دفعة واحدة مما سيسبب لك باحراج في وقتك, كل شيء مات الا القدرة على اغتنام الفرص, فرص .. فرص... لا تدعها تمر!
الشمس ما عادت بحاجة الى فجر جديد لان قناديل الغش تضيء نهاراتنا, والقمر يسطع فقط للذئاب علها لا تضيع فريستها!,والليل هو نهاراتنا المقبلة يسمح لنا باقتراف اي شيء حتى كل شيء..
13\03\2008
د محمد حسون

الانتماء


انتماء ....

د . محمد نايف حسون


كما تشدك رائحة امرأة امام المكان المخصص لحفظ الثياب وذلك قبل دخولك المسرح لمشاهدة بحيرة البجع , يشدني هذا الحنين لشوارع مدينتي مينسك , لتلك الدروب المرسومة بريشة خالق وتلك الساحات المدورة بدراية فنان , وفي كل هذه الاماكن اكون متفائلا ليس لأن من عادتي التفاؤل بل,لأنك تنظر حينها الى جهة واحدة لتعبر دربك وتكون مطمئنا بان أحدا لن يصدمك !

هو الحاجة الى الانتماء لشيء والذي ينقصنا فتأتي تلك الاماكن لتملأه .

هو الطوق الى النظام الذي لم يعرف طريقا الينا فتجتاحك تلك الساحات . حتى الشجرات تمشي معك فترى ظلها أين ما أدرت وجهك , وأتساءل لماذا رمى الله ببذورها بكرم هنا ولم يترك لنا الا بذور الفتن والطائفية !

كنا نمشي سويا نحترم كل شيء زرعه الله وحتى ان خطواتنا نقتصد بها للمرة القادمة فنجلس على مقاعد توفر لنا عناء المشي وتعطينا الدفء الطبيعي .

كل شيء له اسمه هناك وكل في فلك الجمال يدور , حتى العصافير تمشي لأن الارض كما السماء ملك لها . كل شيء مباح ما دام يخدم البشر , الا الفتاوى ! فليس لها مكان هناك وهي مشروعة فقط في فرا ش العاشقين حيث تصدرها اهات اللذة وتسقطها بدائل الشبق.


4-7-2008

الغابة الروسية


عندما بدأت بالتنزه في الغابة النروجية لموراكامي , شعرت بهذا الرابط المناخي الذي يشدني الى كل غابة تجمع تحت أغصانها بين عاشقين ورجعت بي الذاكرة الى الوراء حيث تسكن أشجار الحور والسنديان والكرز في غابات روسيا المؤنثة الشكل. انها هي ذاتها الأشجار وأمامها عليك بأن ترفع ببصرك نحو ضوء الشمس لأنه هنا لا يسقط عليك بل تبحث عنه بين أكوام الأوراق المتساقطة عليك من الأعلى !
للأشجار أسمائها كما للفتيات يجمعهن الحنين الى من يفرش من ظلهن مضجعا للاعتراف وان يحفر في أرحامهن بشيء من ذكوريته المتبقية. الغابة مكان للبوح لأن أصوات الطيور تسكت عند رؤية العاشقين وصوت الغراب وحده يبشرك بانك لست وحدك مع الحبيبة.
كل شجرة هي حافظة أسرار وكل ورقة تسقط يسقط معها سرك الى جوف الأرض وكلما حفرت بسكين الشهوة على لحائها اندفع ذلك السائل الرباني المصدر . ترى ألهذا السبب كانت الفتيات الشيطانات يرغبن باللقاء الأول وسط الغابة؟ للغابة حضور وانعكاس في معظم الأعمال الادبية لشعوب الغرب كما للصحراء نصيبها في أشعار ونثر العرب ولكن الفارق انه لا مكان للبوح ولا يمكن الا ان تصرخ وتحترق من شدة الشوق! ولست أجد هنا هذا التوصيف الا في مجال المقارنة بين روحين وفكرين وهي علا قة مدهشة حقا: بوح وصراخ , حنين للعودة ورغبة في الترحال .
كان لي مواعيد مع طيور الغابات وفي كل مرة كنت أخرج من غابتي محمولا بالأسئلة التالية:-لماذا لا نحب نحن الخريف؟ولماذا هذه المقاربة بينه وبين النهايات ؟ لماذا لا نحب نحن طائر الغراب والبوم ونربطه دائما بالنذر المشؤوم العظيم ؟
دعونا لمرة واحدة نجعل من الخريف بداية للأشياء ومن طائر البوم رمزا للحكمة ,أيمكن بذلك حل مشاكلنا الابدية !

السبت، 30 أغسطس 2008

استطلاع: خلود الفلاح
روائيون: شخصيات الروائي ليست محض خيال
04/07/2008

يضع القارئ نظارته على عينيه ويهئ نفسه للقراءة ويبدأ في تقليب الصفحات وبعد مضي وقت يتفاعل مع الأحداث وقد يشتم رائحته بين السطور أو أصدقاء مروا من هنا ، وكلما قرأ المزيد عن كاتب العمل أو تعرف إليها شخصيا يبدأ في الربط بينه وبين شخصياته . ويتساءل هل الكتابة تستمد حياتها وتفاصيلها من خبرات الروائي ، من واقعه اليومي المعيش ، هل هذه الشخصيات لا ظلال لها في الواقع وهي محض خيال ، هل من الممكن أن تنشأ علاقة حب بين الروائي وشخصياته وهل هذه العلاقة تستمر أم تنتهي بمجرد خروج الرواية للقارئ ؟ وغيرها من التساؤلات التي قد لا يجد لها أجوبة مقنعة . ثم ما الذي يدفع القارئ إلى ذلك هل لان هناك كتابا أنانيين كما تقول الروائية أرونداتي روي وكتُاباً شديدي السخاء ، والكتُاب الأنانيون يتركونك لتعيش في حدود العمل بعد قراءتهم أما الكتُاب الأكثر سخاء فيتركونك لتعيش في حدود العالم الذي تنطلق منه تجاربهم الروائية ، أن استحضار صورة للعالم أو نقلها للآخرين تشبه كتابة رسالة الى من تحب . الرواية شخصية المكان _ الروائي الليبي سالم الهنداوي الكتابة الروائية نسيج اجتماعي بالدرجة الأولى، والكتابة الروائية الواقعية، أو التاريخية، هي هذا النسيج الذي يتفاعل بتفاصيله، في المكان، ومع الشخوص. وإذا كانت الحياة الاجتماعية العربية، في معظمها، تنغلق في استحياء، على استدعاء الشخصية الواقعية، كما تظهر في الحياة، فإن التراكمات المعرفية بحياة المجتمع وظهور شخصيات كاريكاتورية ، محبوبة أو منبوذة أو مقهورة، هي الوعاء الذاكري لأي مجتمع، والروائي يلجأ بالضرورة إلى شخصيات شعبية معروفة نشأت في ذاكرة المجتمع، أو إنه يصنعها من ذلك التأثير الذاكري الجمعي، لتكون الشخصية القريبة من المتلقي كما يستدعيها من ذاكرته الاجتماعية.عربياً يبدو هذا الاستنتاج واضحاً في العلاقة الناشئة بين الروائي وشخوصه في الرواية الاجتماعية والتاريخية. لكن عربياً أيضاً ظهرت شخصيات روائية متخيّلة، غير واقعية، وكان حضورها، في النص، أقرب إلى المتلقي من الشخصية الواقعية الحقيقية. وهذه الشخصية الملتبسة في الضمير الاجتماعي، هي بالضرورة جزء من ذاكرة جمعية التقت بظرفيها، في سياق حدث روائي، انصهرت في الفعل الجمعي، ضمن النسيج الاجتماعي العام الذي أنتج الكاتب وأنتج المتلقي، وأنتج معهما هذه الشخصية القريبة من ذاكرتهما معاً، وذائقتهما المشتركة.إذاً، فالروائي صانع الأحداث والأماكن والشخصيات، قد يمضي بنا في السرد ضمن علاقة قائمة في ذاكرة جمعية، معنية بالمكان، وبالتفاصيل، ومعنية بلغة السرد، كما هي معنية بشخصيات العمل وحضورها.في روايتي (الطاحونة) مثلاً، أحببت كل شخصياتي التي صنعتها من خيالي، وأعتبرها شخصيات واقعية، في ملامحها ومعاناتها وسلوكها الفطري والنمطي. كثيرون في الحياة يشبهون (العجوز الورَّاد) وكثيرون في الحياة يشبهون (خليل الملاَّح).. الحياة، هنا في ليبيا، أو في الشام، أو في أميركا اللاتينية، فيها ما هو مشترك، والخيال الذي يعمل على نسيج هذه الحياة المشتركة، في مشهدها الإنساني، قادر على اختيار عناصر البناء من الذاكرة الجمعية في المجتمع الإنساني. وقد يكون المكان، أو فضاء النص، هو من يرسم ملامح الشخصية، ويستدعي حضورها الاجتماعي.هناك أعمال روائية غاية في الفنتازيا، لا مكان لها في الوجود، لكنها في الذاكرة الجمعية هي جزء من تكويننا، ومن حقائق أحلام أكيدة تراودنا ونعيش أطيافها في مناماتنا، ونعرف بها وبتفاصيلها، برائحتها، وحرارتها، بسطوتها، بطقوس ليلها ونارها، وعبث شياطينها، وإنسانيتها. أماكن هي من وعينا بالخيال كجزء من واقعنا في الحياة، ومن وجودنا بأسره. هذا الشكل من الأعمال الروائية كتبته في (خرائط الفحم) وبشخصيات لا أثر لملامحها في الحياة، ولكنها جزء من وعينا بالخيال. شخصيات من أبطال أحلامنا وكوابيسنا، كان لي تجربة جميلة معها، وكانت حية في عملي، وطقوسية، فكان لها حضورها ووقعها المميَّز لدى المتلقي، رغم أنها ليست واقعية، ولا يمكن أن تكون كذلك. لقد استطعت في (خرائط الفحم) تشكيل علاقة من نوع خاص، علاقة من نسيج خيال عمل على المحسوس في الذاكرة الشعبية، التي تغذت على الأسطورة في الحكايات والأمثال، وهذه العلاقة كانت من نتاج ذاكرة جمعية إنسانية، أنا جزء منها، بل وحاضر فيها بوعيي بهذا الوجود وغرائبه، وبالتالي فهي نتاج بشري فاعل في العقل، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. نحن والأحلام نقيم في حياة واحدة، نسكنها كما هي تسكننا. الأحلام لا نصنعها بمحض إرادتنا، وكذلك الحياة تملكنا ولا نملكها، نحن نعيش الحياة بواقعنا فيها، وبمحيط علاقاتنا الاجتماعية، تعنينا ونعنيها في المُطلق، لكننا لا نملكها.. وهي ذات العبث والموت. وإذا كنا في أعمالنا الروائية قد أنتجنا الواقع بشخصيات حقيقية وواقعية، فإننا مع العبث ننتج شخوصاً غير واقعية، لكنها حقيقية، وجزء من هذه الحياة المشتركة، ولبوساتها بين الكائن والممكن، بين الواقع والحُلم.مع اختلاف الذائقة الجمالية للمتلقي، تختلف أنماط السرديات في الرواية الإنسانية. نحن العرب مثلاً، وبتأثير الحكائي في موروثنا الاجتماعي والثقافي، لم نستطع بعد تحقيق التنوع الروائي الجرئ الذي يكشف عن مهارة ذات الروائي في علاقته بالوجود. عدد قليل فقط من الروائيين استطاع الاقتراب من هذه المنطقة الساحرة من الإبداع الإنساني الذي يؤكد على خصوصية التجربة الفردية وقدرتها على صُنع عالم آخر، متخيَّل، متكامل وخاص. والرواية بهذا المعنى فعل وجود، وليست فعلاً في الوجود.وترفض الروائية الأردنية سميحة خريس فكرة ان تكون شخصيات الروائي محض خيال إنما هي شخصيات لها جذور في الواقع .شخصيات الروائي لا يمكن أن تكون خيال خالص ، كما أنها ليست صورة فوتوغرافية دقيقة لبشر بعينهم ، نستعير ملامح البشر ممن حولنا ممن نعرف ، ممن نظن ونعتقد أنهم على هذا النحو ونعيد تفاصيل هذه الملامح وفق رؤانا الخاصة وما يحلو لنا . يحدث أن ندمج بين شخصيات نعرفها وبين إحداث وقعت لشخصيات أخرى حتى عندما نخترع فنحن نستخرج من داخلنا من نعرف وما نتوقعه وبالطبع تصبح هذه الشخصيات لصيقة بالكاتب ، يتفاعل معها وتصبح جزء من حياته ، تشاركه يومه وليله وأحلامه ، بل تصبح أكثر حضوراً من كل ما يحيط به ، لكنها بمجرد ان تُكتب تبتعد وتتهيأ الفرصة لظهور عوالم جديدة و شخصيات أخرى . ويتفق الروائي الليبي خليفة حسين مصطفى مع الروائية سميحة خريس حيث يرى ان شخصيات الروائي هي في الغالب شخصية متخيلة ولكن لابد ان يكون لها جذور في الواقع ويضيف أحياناً نقابل شخصاً لمدة عشر دقائق ومع ذلك فانه يترك أثرا في النفس بحيث انه يمكن ان يتحول إلى إحدى شخصيات الرواية .و أضرب المثل على ذلك بشخصيات رواية " ليالي نجمة " فنجمة امرأة حقيقية وليس متخيلة ومع ذلك لم أتناولها كما هي إذ لابد من إضافات وإثراء للشخصية فتبدو في النهاية وكأنها شخصية متخيلة ، وفي مذكرات عدد من الكتُاب نجدهم يتحدثون عن شخصياتهم الروائية فنكتشف ان لها ظل في الواقع وليس متخيلة مائة في المائة .وبهذا يمكن القول ان الشخصية الروائية شخصية واقعية و متخيلة في نفس الوقت . الشخصية المحض خيالية أكثر شخصيات الروائي تعقيدا- الروائي التونسي كمال الرياحي . الشخصية الروائية شخصية مركبة ومعقدة تنطلق عادة بذرتها الأولى من الواقع ليقع تطعيمها بمناخات المتخيل ، بعضها يبقى واقعياً في صورته وبعضها الآخر يذهب بعيداً في التخييل حتى تتحول إلى شخصية عجائبية و سحرية . هذا حسب طبيعة الرواية ومن تم نصنف الروايات إلى روايات واقعية وأخرى عجائبية .آذان الروائي قد يستقي عوالمه بشكل عام وشخصياته بشكل خاص من المعيش و اليومي وقد تكون الشخصية محض خيال تام وهذه أكثر الشخصيات تعقيداً لأنها تنطلق في بناءها من فكرة شخصية وهذا ما قمت به في شخصية " المخاخ " برواية " المشرط " التي لا أصل لها في الواقع ولا يمكن ان نعثر على جينيات لها في اليومي .بعض الشخصيات الروائية تكون أصولها واقعية بشكل آخر أي أنها ليست من الواقع العيني إنما هي مشترحة من شخصيات أخرى ورقية أو خرافية أو أسطورية أو تاريخية ويمكن للروائي ان يستدعي شخصية تاريخية مثلاً يزرع فيها حياة جميلة و أفكار جديدة ويزج بها في مناخات لم تعشها لتؤسس حياة أخرى هي حياة الشخصية الروائية كمثال لذلك استدعاء شخصية " طارق بن زياد " عند " الرشيد بوجدرة " وأبن خلدون عند " سالم حميش المغربي ".يمكن للرواية أيضا ان تستدعي شخصية كاتب مشهور عندها تتقاطع الرواية مع فن السيرة مثل رواية مايكل كنهام " الساعات " التي تعيد كتابة سيرة الروائية الإنجليزية فيرجينيا وولف . للقراءة و التجربة الحياتية الأولوية في إمداد الروائي بشخصياته - الروائي الليبي أحمد إبراهيم الفقيه . كثيرا ما أجد من أصدقائي أصحاب التخصص الأكاديمي من يسألني على تنوع قراءاتي . لأنه في حين يبقى هو مرتبطا بموضوع تخصصه يحاول ان يلاحق الجديد في ميدانه إلى حد قد لا يجد معه الوقت للقراءة الحرة ، هذه القراءة التي تشكل للكاتب القصصي و الروائي مصدرا من مصادر إبداعه ، لان كل شئ يطالعه يمكن ان يدخل في محترف العمل الروائي بدءا من صفحة الحوادث في الجرائد إلى أية مادة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية أخرى . نعم ، يمكن للقراءة ان تكون مصدرا من مصادر الإبداع الروائي ولكن تبقى للتجربة الحياتية الأولوية في إمداد الكاتب الروائي بمادته بما في ذلك الشخصيات التي غالبا ما تكون تركيبا لأشخاص كثيرين يستحضرهم الكاتب ويستحضر بعض من خصائصهم ليعجنها ويصنع منها شخصية واحدة . اقتبس شكسبير لشخصية مسرحيته عطيل نصا شعبيا ايطاليا لكنه كساه لحما ودما وصنع منه شخصية اكبر من الشخصية في الحياة وهذا طبعا ينطبق على شخصيات كثيرة استقاها أصحابها من تراث شعبي مكتوب وشفهي كما في تراث المسرح الإغريقي حيث تحولت اغلب الشخصيات الرئيسية في الاوديسة والإلياذة إلى أبطال لأعمال درامية . شخصيات روائية أخرى كثيرة لها أصل في الواقع فإحدى أشهر الشخصيات الروائية وهي شخصية " زوربا " يتحدث العارفون بمؤلفها كازانتزاكس انه عرف شخصا اسمه زوربا بنى عليه هذه الشخصية الأسطورة ، لقد وجد بعض الملامح في زوربا الأصلي الذي كان شخصا بسيطا وعاديا يعمل عتالا ومتشردا فأضاف إليه من شخصيات أخرى ومن معارفه وخبراته وتجاربه وقراءاته ما جعل هذه الشخصية التي فتنت القراء كما فتنت المشاهدين بعد ان تجسدت على الشاشة في فيلم من بطولة انتوني كوين مصدر آخر أجد نفسي أعود إليه شخصيا في كتاباتي هو حياة الكاتب نفسه فهذه النفس بالتأكيد هي أكثر النفوس وأكثر الشخصيات التصاقا بالكاتب ولهذا نجد أدباء كثيرون يحاولون أغناء حياتهم بالتجارب والمغامرات والرحلات كما كان يفعل أدباء معاصرون أمثال ارنست هيمنحواي وجراها م جرين وقبلهما ماكسيم جوركي الذي عاش حياة الفقر والتشرد والمعاناة وجعل منها مادة لكتاباتهوعندما سئل " جوستاف فلوبير" من أين استقى " أما" بطلة روايته الشهيرة " مدام فلوبير"فأجاب بان " أما " أو مدام فلوبير هي أنا كتعبير عن مدى ارتباط الكاتب بشخصياته وكيف يمكن ان يستلهم حياته وتجاربه في رسم الشخصيات حتى النسائية منها إذا كان الكاتب رجلا . بالنسبة لعلاقة الكاتب بشخصياته فان درجة من الانفعال والاندماج بين الكاتب وشخصياته الرئيسية بل والتورط العاطفي معهم يبقى شيئا ضروريا لضمان الحيوية لما يكتبه ولهذا فلم يكن غريبا أن نقرا لماركيز بأنه كان يبكي بكاء حارقا عندما انتهى من كتابة روايته " مائة عام من عزلة " بوضع نهاية لحياة بطله الكولونيل اوليانو بويندا ومفارقة شخصياته التي تعيش في قرية ماكوندو. نعم الخيال هو الذي يدخل على المادة الخام المستقاة من الواقع ليصنع منها ادبا وإبداعا هو الذي يحيل شخصيات يمكن ان تكون مضجرة في الواقع الى شخصيات مثيرة تضيء بلهب الإبداع . الخيال هو الذي يجعل العمل الروائي والقصصي إبداعا يتفوق على أنواع أخرى تلتزم التزاما دقيقا بنقل الواقع مثل التاريخ والتراجم والسير الشخصية . ويتفق الروائي الأردني إبراهيم نصرا لله مع الفقيه في أهمية التجربة الحياتية ومعرفة المكونات الثقافية و الإنسانية والنفسية للشخصية الروائية العلاقة بين الروائي وشخصياته علاقة شائكة في اعتقادي، وأي تفسير لها لن يكون التفسير الفاصل ، ولعل هذه العلاقة تختلف بين روائي وآخر، ففي حين يوزع أحدهم نفسه على الشخصيات ليكون هناك جزء منه، دائما، فيها، نرى أن هناك من يبتكر شخصيات قد لا يكون هناك وجود فعلي واقعي لها، وقد يُجمِّع الكاتب شخصية رئيسة من شخصيات كثيرة، في حين يعمد آخر إلى شخصيات واقعية، يبلورها، ويجد لها أسماء مستعارة. وقد قيل: لم يكن لزاما أن تقوم أجاثا كريستي بكل تلك الجرائم التي ارتكبتها شخصيات أعمالها كي تكتب تلك الأعمال.أحيانا تولد الرواية من حدث بسيط، أو فكرة لا شخصيات فيها، وأحيانا من خبر، أو موقف، أو مشهد. لكنها بالتأكيد لا تعود ذلك الحدث أو الفكرة أو..بالنسبة لي في هذا الأمر فإن القاعدة التي أستند إليها هي اللاقاعدة. لكن الشيء المهم الذي لا بد منه هو أن أدرك تماما المكونات الثقافية والإنسانية والنفسية للبطل، أي علي أن أدرك خبراته، ولا أستطيع أن أدرك خبراته إلا إذا كنت أدرك بنفسي هذه الخبرات. في الرواية مهما حلقت فإن أقدامك يجب أن تظل على الأرض، ولذلك أرى أن الروائي بحاجة لمعرفة الأشياء العظيمة، والأشياء المبتذلة في آن، فمعرفة موسيقى بتهوفن وحده، لا تؤهلك لكتابة رواية ناجحة، ولعل معرفتك لموسيقى وأغان من الدرجة العاشرة، وفهمك العميق لما تمثله، يمنحك رواية أغنى بكثير في بعض الحالات من معرفتك لموسيقى بتهوفن، لأن العمل الثاني بحاجة لهذه الأغنيات لا لبتهوفن.بالنسبة للشخصيات التي كتبت عنها، عملت قدر استطاعتي على أن أمنحها وجودها الإنساني كاملا، من الزاوية التي تحتاجها، ولذلك منحتها خبراتي، سواء الخبرات بصورتها القائمة، أو أحيانا تصرفت في خبراتي لكي أقلبها رأسا على عقب.بالنسبة لي تستهويني مسألة إيجاد النقيض، لأن ذلك مدعاة للبحث والتأمل وإفساح المجال للخيال أكثر، لأنني لا أكتب سِيَرَاً، بل روايات.أحمد الصافي قد يكون شخصا موجودا، وقد لا يكون، ولكنني أعرف الوسط الذي يتحرك فيه تماما، لأنني عملت في الصحافة ثمانية عشر عاما بصورة متصلة، ورأيت بأم عيني كيف يتم ترويض المثقفين ، وبعضهم كانوا من أصدقائي، وأقول كانوا، كما أن قضية المثقف والسلطة كانت تشغلني على الدوام، والرواية هي محاولتي لفهم هذه العلاقة، وبالتالي فما يربطني بأحمد الصافي هو صراع النقائض.وليس الأمر بعيدا عن محمد حماد، لقد اختبرتُ الصحراء شخصيا، ونقلت خبراتي بها مُصعَّدة للتعبير عن حالة إنسانية عامة، أما سعيد في حارس المدينة الضائعة فالمسألة أشد تشابكا، لأن شخصيته قد تكون أكثر اتساعا (وعلى المدى الزمني أيضا) من أحمد الصافي ومحمد حماد، والرواية ساخرة، لكن بالتأكيد لو لم أكن على هذه المعرفة بالأجواء الثقافية: السينمائية والغنائية.. لما استطعت كتابة هذه الرواية، فروائي لا يعرف السينما لا يستطيع أن يكتب رواية عماد الشخصية الرئيسة فيها هي التأثر بالسينما، كذلك فإن روائيا لا يعرف الصحراء، قد يستطيع تخيلها، لكنه قد لا يستطيع تقديم الصحراء شيئا محسوسا في روايته..في (حارس المدينة الضائعة) يختفي سكان عمان كما تعرفين ليوم واحد، ولا يبقى سوى سعيد، الذي كما قال عنه الدكتور فيصل دراج في دراسة له ( لا يحرس مدينة ضائعة إلا من هو أكثر ضياعا من هذا الشيء الضائع) وهذه معضلة بطل روايتي، الذي لا يغيب للمفارقة عن أي صفحة من صفحاتها. ولكنني سأقول لك شيئا، وهو أنه صدف أن كنت في عاصمة عربية قبل أسبوعين، وكنت أنوي البقاء فيها يوما أو يومين، وحين وضعت حقيبتي في الفندق، نزلت إلى الشوارع، كان اليوم يوم جمعة، فوجدت المدينة مغلقة، وعدد الناس قليل للغاية، اعترف أنني لم أحتمل هذه العاصمة، فعدت إلى الفندق، حملت حقيبتي، وغادرت البلد عائدا إلى بيتي.في البيت اكتشفت سبب كتابتي لهذه الرواية، كما لو أن كرهي لهذه العزلة والمدينة الصحراء، هو الذي دفعني لإلقاء هذا النموذج الممحو تماما فيها (سعيد). هل أتحدث عن طفل الممحاة أيضا، ولكن من زاوية الخواء العربي العام، عام النكبة، ربما. الاكتفاء بتصوير الواقع لا ينتج أدبا مختلف -الروائي التونسي إبراهيم درغوثي هذا السؤال يقودني إلى الحديث عن الراوي و الكاتب فمن جهة يحاول الكاتب ان يكون محايدا وهو يسرد نصوصه ومن جهة أخرى يحاول السارد أن يتخلص من هذا الكاتب الذي صنعه ودسه في نصه . من هنا نقول ان الكاتب لا يوجد في عالم خالِ وإنما هو يصنع شخصياته مما يعايشه من أحداث ومما يراه من بشر وموجودات ، الخيال يحضر لأننا لو اكتفينا بالواقع لا نتجنا أدبا مشابه لهذا الواقع ، أدبا لا يختلف عن الحياة العادية ، لذلك يتحول هذا الواقع إلى خيال يحَول المرويات إلى عالم عجيب وغريب يشطح فيه الخيال على هواه .ويفضل الروائي الليبي الصديق بودوارة ان يصنع شخصياته لتنتمي إلى عالم آخر ويجيب عن سؤالنا : منهجيا يستطيع الروائي أن يلتقط شخصياته من أرض الواقع كما هي دون حتى أن ينفض عنها غبار الواقع ، انه يستطيع أيضا ان يصقلها ويهذب من طبيعتها بعض الشئ وبامكانه أن يضيفها إلى خياله أو يضيف خياله إليها . هذا عن المنهج ولكن ودون أية قيود بامكان الروائي أن يخلق ، أن يتحول إلى اله صغير ويصنع من عجينة هذا الواقع شخوصاً تنتمي إلى واقع آخر لكنها تتكلم بلسان حال من يقرأ الرواية . شخصياً أفضل أن أصنع عجينة وأشكَل منها الشخوص ، أولئك القريبون مني أبطال قصصي ورواياتي المقبلة، صنيعة يدي . أليس الخيال متعة بحد ذاتها ؟! . أتعاطف مع شخصياتي وأحنو عليها - الروائي الليبي عبد الرسول العريبي لا أتصور بأن الكاتب حين ينصرف الى الإبداع والخلق الفني يبعد الخيال عن مخيلته أو يبعد الصدفة ، ولكنه في نفس اللحظة الفارقة بين الواقع وفضاء المخيلة ثمة حكاية صغيرة تولدت لديه جراء الاستماع أو القراءة أو المعايشة . وهذه الحكاية التي ستروي لنا قصة أو رواية في نهاية المطاف هي المرتكز الحقيقي للعمل الفني ، وبدونها سيجد الكاتب نفسه منخرطا في حفنة من الأكاذيب و السرديات اللامجدية .من هنا سنقول بأن ما يتقاسم الكتابة مع الكاتب هو الواقع ومدى تمدده في معرفته وآفاقه الذاتية بما يكون خلية حية داخل جسد الكتابة المفعم بالخيال وهي تتصدى للواقع ، على أن الصدفة التي ينتجها الحدث الاجتماعي هي وليدة كيمياء تظافرت فيها معطيات النمو و البناء الدرامي مع التداعيات الحية لحركة شخوصه وانثيالهم داخل مناخ الكتابة . في جانب آخر من سؤالك نفترض إجابة غامضة لا تقل غموضا عن السؤال نفسه وهي أن الكاتب يتعاطف مع بعض شخوصه وليست جميعها ، ثم انه في بعض الأحيان يتمثل شخصية ما حية يحبها ويعرفها فتنتحلها إحدى شخصياته بوحي منه فتتميز داخل عمله الفني بحبه لها واستدراجها الى حافة مشاعره الذاتية الخاصة وهنا سنجد ما يسمى بالتآلف أو التعاطف مع هذه الشخصية المفترضة .وقد حدث معي هذا بوضوح في روايتي " تلك الليلة " حين جعلت من البطلة امرأة أحبها فعلاً ولهذا سيدرك القارئ الحذق مدى حنوي عليها والتماس النجاة لها ومن ثم السمو بها أخلاقيا حتى لا يجرح ما يكنه لها من حب . على انني أستدرك هنا اللحظة حتى لا أقع في حبائل سؤالك الملغم .. فأقول ان الكتابة سلطة مهيبة قد تجر الكاتب الى ما تريد وتبعده عن ما يريد وتلك مهمة غامضة يقع الكاتب فيها موقع الراوي أو السارد الذي يستلهم الواقع بكل تجلياته ، لكنه يفلت منه .خلود الفلاح - صحافية وشاعرة من ليبيا
مفاجأة الكسندر سولجنتسين انه لم يكتب سوى القليل من الروايات. جائزة نوبل للآداب التي نالها الكاتب الروسي عام 1970، وكان في الثانية والخمسين، لم تأتِ تتويجا لرحلة ادبية وصلت الى ذروتها، بل جاءت كجزء من الحرب الباردة الثقافية، التي كانت مشتعلة في ذلك الزمن. فالرجل كان مناضلا ضد الستالينية، أمضى ثمانية اعوام في معسكرات الاعتقال بسسبب رسالة كتبها الى احد اصدقائه منتقدا فيها جوزف ستالين ومقارنا اياه بلينين، وحين خرج استاذ الرياضيات والعلوم من معتقله، وجد نفسه في قلب المعركة. الجندي الشجاع الذي قاتل دفاعا عن لينينغراد، كان يرى في نفسه نبيا، وكان الأدب وسيلته للوصول الى الناس. انه سليل تاريخ الالتباس بين النبوة والأدب، من انبياء العهد القديم وصولا الى انبياء القرن العشرين.
لكن سولجنتسين، عكس انبياء زمنه، الذين توجهوا الى المستقبل، من فرويد الى ماركس الى لينين، كان يرى مستقبله في الماضي. هوسه السلافي وحنينه القيصري جعلاه نبياً لموقف اخلاقي اثار استهجان المعجبين، وفرض عليه عزلة النهاية في وطنه.
حين هاجر سولجنتسين الى منفاه في ولاية فيرمونت، اصيبت الدوائر النقدية والاعلامية الاميركية بالاحباط. اذ بدا الرجل متعصبا ورجعيا. يتكلم كالانبياء لكن رسالته تريد اعادة العالم السلافي الى ما قبل الحرب العالمية الأولى. كأنه اراد ان يمحو لا النظام الشيوعي فحسب، بل الهوية الأوروبية للروسيا. فروسيا التي يكتبها الروس بـ ال التعريف يجب ان تضاف اليها كلمة المقدسة، كي تستقيم في الذاكرة في وصفها نسيج وحدها، ووارثة الامبراطورية البيزنطية، ومركز الارثوذكسية في العالم.حكاية سولجنتسين مع الأدب والشهرة، كانت وليدة سوء تفاهم عميق. نظر الغرب الى مؤلف "جناح السرطان" في وصفه وارثا لدوستويفسكي. لكن الرجل كان في مكان آخر. حتى الدور الذي رسمته له الحرب الباردة، قام بتمزيقه لحظة مغادرته الاتحاد السوفياتي، كي يعلن نبوته السلافية، ويتخلى عن كتابة الأدب، منصرفا الى كتابة تاريخ روسيا في عشرة اجزاء.
عندما صدرت روايتاه، "يوم في حياة ايفان دنيسوفيتش" و"جناح السرطان"، في اواخر ستينات القرن الماضي، بدا سولجنتسين كاتبا "منشقّا"، يتابع تراث بوريس باسترناك، متخليا عن شاعرية هذا الأخير وملحميته، لمصلحة ادب تصويري واقعي، يتميز بقدرته على تحويل يوم في معتقل، او مستشفى لعلاج السرطان، الى استعارة للمعتقل الروسي الكبير الذي صنعته الديكتاتورية الستالينية. لكن الرجل انعطف بالرواية الى مطارح جديدة في ثلاثية "ارخبيل الغولاغ"، حيث صارت الرواية اشبه بوثيقة تاريخية مرعبة عن زمن الوحشية الستالينية.
اثارت "ارخبيل الغولاغ" كل المواجع الروسية. اذكر حين صدرت للمرة الأولى في باريس باللغة الروسية، كيف كان وقعها على الجالية الروسية البيضاء. اصيبت ارملة الكاهن الارثوذكسي الروسي التي تعيش في باريس، بما يشبه الهوس الغولاغي، وهي تروي لي بكلام عاطفي تترقرق فيه الدموع حكايات معسكرات الاعتقال. كان ذلك عام 1972، وكنت كأبناء جيلي الذين ذهبوا الى الدراسة في فرنسا بعد ايار 1968، ممتلئا بهوس ديني من نوع آخر، صنعته الايقونة الغيفارية، والحلم الفلسطيني. ولم اكن على استعداد لتفهم كلام السيدة ستروفة، التي مزجت دعمها للحق الفلسطيني برفضها للديكتاتورية الستالينية، وعشقها للايمان المستقيم الرأي.المرأة الروسية البيضاء، التي كانت تشبه الأمهات، فتحت لي افق المقارنة بين دينين. لينين، العقلاني والاوروبي، لم يؤسس الدولة السوفياتية فقط، بل ذهبت به يعقوبيته الى تأسيس كنيسة جديدة، اسمها الحزب. وكان يجب ان يعتلي جوزف ستالين، التلميذ السابق في احد المعاهد الدينية، عرش الحزب والدولة، كي تتحول الشيوعية الى دين بكامل الرتب والاوصاف.
كانت الكتابة بالنسبة الى مؤلف "الأرخبيل"، احد معارج النبوة. من هنا جاء سوء تفاهمه مع الأدب ومع الغرب في آن واحد. لم يكن طموح سولجنتسين ان يصير دوستويفسكي القرن العشرين. مصير "الأبله"، او اسئلة "الجريمة والعقاب"، لم تكن تهمه. ما يهمه هو استعادة الروسيا لسلافيتها وروحانيتها ومناخاتها القديمة. لم يكن قديسا في السهوب الروسية البيضاء، ولا كاتبا يبحث عن اكتناه معنى الألم كباسترناك، او مؤرخا للشرط الانساني في الحرب الأهلية الروسية كشولوخوف، بل كان نبيا بلا نبوة. فالانبياء استعادوا السلف كي يؤسسوا مذاهبهم الجديدة، اما هذا النبي المزيّف فكان صرخة بلا صدى في وديان الماضي.منح الغرب الابن الروسي الشاطر جائزة نوبل قبل الاوان، وانتظر الكاتب المنفي كي يكون جزءا من وقود الحرب الباردة. لكن الرجل خيّب الأمال. وصل بلحية الانبياء وتعالي الحكماء الى اميركا كي يهجو الحضارة الغربية، مؤكدا تمايز الروسيا. انقطع عن الكتابة الأدبية وانصرف الى التبشير وكتابة التاريخ. المؤرخون لم يقبضوا الاجزاء العشرة من كتاب "العجلة الحمراء"، والادباء توقفوا عن متابعة هذا الادب الذي لا يشبه الأدب، فوجد الرجل نفسه في عزلة عن عالمه الروسي، وأمضى ايامه الأخيرة وحيدا ومعزولا.
روايات سولجنتسين الثلاث اضاعت أدبيتها في التوثيق، "يوم من حياة ايفان دنيسوفيتش" كانت بداية لم تكتمل. اضاعها الهوس النبوي الذي تصنعه المراحل التاريخية الصعبة. و"الارخبيل" صار وثيقة ادبية، اما الحلم السلافي فتكفلت العولمة تحجيمه، ولم تبق سوى صورة القيصر الأخير وقد حوّلته الكنيسة قديسا بحيث صار من المتعذر عليه استعادة عرشه الضائع. يستطيع الملوك ان يعتلوا عروش القداسة، مثلما فعل قسطنطين وامه هيلانة، اما القديسون فلا يصيرون ملوكا.هكذا ضاعت كل احلام الرجل دفعة واحدة، وتحطمت نبوته، لكن هوسه ببلاده وجرأته وكتاباته، جعلت منه احدى علامات القرن العشرين.

الجمعة، 27 يونيو 2008


العدد
27/06/2008
العدد
11034

تزفيتان تودوروف في كتابه «الأدب في خطر» النظريــة قبــل النــص
شوقي بزيع
كتاب الناقد وعالم اللسانيات البلغاري المعروف تزفيتان تودوروف «الأدب في خطر» لا يمكن أن ينظر إليه بوصفه كتاباً في السيرة ولا بوصفه كتاباً في نظرية الأدب أو طرائق تدريسه ولا بوصفه كتاباً في التذوق الأدبي والجماليات. ولكنه مع ذلك، ورغم كونه لا يتجاوز الصفحات الستين، يأخذ من كل هذه العناصر بمقدار، ويبدو أقرب الى الكشكول المعرفي الذي تتقاطع داخله السيرة الشخصية مع الشجون المختلفة المتصلة بتعريف الأدب وإشكاليات النقد الأدبي المعاصر، والأسباب التي تدفع طلاب الجامعات والمدارس، الفرنسية بوجه خاص، الى مجافاة النصوص الأدبية وعدم تذوقها. ولربما كان عنوان الكتاب مستوحى بشكل أساسي من هذه الإشكاليات التي تحرم الأدب من جاذبيته الجوهرية ومتعته الأبرز وتوقعه في شيك النظريات المعقدة والتناول الشكلي. في الفصل التمهيدي لكتابه «الأدب في خطر» يتحدث تودوروف عن طفولته في بلغاريا وعن ولادته في منزل مكتظ بالكتب والمصنفات، حيث كان والداه قيّمين على إحدى المكتبات العامة. ويروي كيف استطاع وهو لما يزل في الثامنة من عمره أن يقرأ على ركبتي جده رواية بكاملها تتجاوز صفحاتها المئتين والثلاثين. أما إشارته الى محاولته المتعددة لكتابة بعض القصائد التي وصفها بالرديئة ومن ثم الى كتابة مسرحية لم تكتمل ورواية لم يتجاوز ما كتبه منها الصفحة الواحدة، فلا تدل على تواضعه الجم فحسب، بل على اعتراف ضمني منه بأن النقاد الكبار قد لا يكونون في بادئ أمرهم سوى مبدعين فاشلين، رغم بعض الاستثناءات القليلة التي لا تكسر القاعدة. ولا يغفل تودوروف في معرض حديثه عن دراسته الأدبية في جامعة صوفيا الاشارة الى أن الأعمال الأدبية في بلغاريا الشيوعية كانت تقاس بمقياس الايديولوجيا المحضة أو بتوافقها مع العقيدة الماركسية اللينينية. وغالبا ما كانت هذه الاعمال تنقد بمرارة من الأساتذة، ويشار الى مؤلفيها باللوم والتقريع بسبب ميوعة مواقفهم من قضايا الثورة والنضال والطبقات المحرومة. والطريف في الأمر أن تودوروف اختار في دراسته علوم اللسانيات وجماليات النص لأنها ليست ذات حمولة ايديولوجية واضحة، بحيث يمكنه بواسطتها أن يتفادى الاصطدام بالمؤسسة التربوية الرسمية وما تفرضه من رؤى جامدة وجاهزة لمعنى الأدب ودوره. إلا أن الكوة التي افتتحت في ذلك «الستار الحديدي» المغلق تمثلت في حصول المؤلف على منحة الى فرنسا لإكمال تخصصه الدراسي. ولما كانت مدة المنحة لا تتجاوز السنة الواحدة، فقد حاول خلالها أن يلتهم كل ما تضمّه مكتبات باريس الضخمة من كتب ومراجع وأمهات، قبل أن يقرر البقاء في العاصمة الفرنسية التي اجتذبته الى أبعد الحدود باعتبارها مدينة كوزموبوليتية قابلة لاستيعاب كل من يفد إليها من بشر وأفكار وثقافات متباعدة. ومع ذلك فإن تودوروف لا يجد سهولة في العثور على ضالته المتمثلة في متابعة دراساته حول الاسلوب واللغة والنظرية الأدبية. وكان عليه ان يصطدم بالعديد من الاساتذة التقليديين، المأخوذين بتاريخ الأدب لا بالأدب نفسه، قبل أن يعرفه جيرار جينيت الى أحد الأساتذة الذين يديرون حلقة دراسية مميزة في جامعة السوربون، ولم يكف ذلك الاستاذ سوى رولان بارت نفسه الذي يضع حياة تودوروف برمتها أمام منعطف حاسم وجديد. نقد تدريس الادب قد تكون النقطة الأبرز في كتاب تودوروف متمثلة في نقده الجريء والمر للمؤسسة التعليمية الرسمية في فرنسا، ومن خلالها لسائر المؤسسات المعنية بتدريس الأدب. ففي المدارس الثانوية على سبيل المثال، تظهر برامج التدريس ان الهدف الاول للدراسات الأدبية هو «تكوين التفكير حول التاريخ الأدبي والثقافي، الأجناس الأدبية ومستويات الخطاب، تكوّن دلالة النصوص وخصوصيتها، الاستدلال وتأثير كل خطاب على متلقيه». وهو يعني ان الهدف الاول لتلك الدراسات هو تعريفنا بالأدوات التي تستخدمها تلك الدراسات لا بالنص الأدبي نفسه وما يحمله من معان ومضامين ودلالات اجتماعية وإنسانية. أي ان الطالب، وفق المؤلف، «لا يتعلم عماذا تتحدث الأعمال الأدبية، بل عماذا يتحدث النقاد أنفسهم». واذا كانت الغلبة اليوم، أي في تاريخ وضع الكتاب، هي للنظرة البنيوية للأدب، فإنها كانت قبل ذلك للنظرة التاريخانية التي تهتم بتمرحل الأدب وتطوره التاريخي. ولكن المشكلة لا تتغير في أي حال لان الدراسة تظل متعلقة بموضوع خارجي أو شكلاني ولا تقودنا الى معرفة القصدية النهائية والجوهرية للاعمال الأدبية ولا الى إيجاد المعنى الذي يتيح لنا فهماً أفضل للإنسان والعالم. لقد ظل النقد طوال قرن كامل خاضعا، وفق تودوروف، لهيمنة التاريخ الأدبي على التعليم الجامعي. أي الى دراسة الاسباب التي تفضي الى ظهور العمل الأدبي، والقوى الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يفترض أن النص الأدبي صادر عنها، ومن ثم دراسة تأثيرات النص على الجمهور أو على مؤلفين آخرين. أما بعد ذلك فقد أصبح العمل الأدبي معروضا باعتباره موضوعا لغوياً مغلقاً ومكتفياً بذاته. وهنا يتساءل تودوروف: ما جدوى دراسة الأدب اذا لم تكن سوى إيضاح للوسائل اللازمة لتحليله؟ وهو رداً على هذا الجنوح يرى أن من الاولى ان يعمد ذوو الشأن الى تدريس الأدب لا الى تدريس الدراسات المتعلقة به. كما يرى المؤلف ان التصوّر الشكلاني للأدب والطرائق الآلية لتوليد النص هي التي قادت من جهة اخرى الى الرؤية العدمية التي ترى أن الحياة هي طروء لكارثة مزمنة وان أشكال الدمار والعنف هي التي تفصح عن حقيقة الوضع البشري. وفي إطار هذه الرؤية، يتم في النصوص المكتوبة تسويق أدنى الانفعالات وأبشع المواقف وأتفه التجارب الجنسية، ما يؤدي في النهاية الى ظهور نوع من الأنانية المطلقة والانغلاق على الذات حتى لو كانت هذه الذات مدمرة ومجروحة في العمق. في الفصل المسمى «ماذا يستطيع الأدب؟» يعتبر تودوروف ان الأدب يستطيع أن «يمد لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب، ويقودنا نحو الكائنات البشرية الاخرى من حولنا ويجعلنا أفضل فهماً للعالم ويعيننا على أن نحيا. ليس لكونه تقنية لعلاج الروح فحسب بل لأنه، وهو كشف للعالم، يستطيع أن يحول كل منا من الداخل». ويرى تودوروف أن القارئ العادي الذي يستمر ضمن الاعمال التي يقرأها في البحث عن معنى لحياته هو على صواب ضد كل ادعاءات النقد الشكلاني أو العدمي، وإذا لم يكن كذلك فإن القراءة برمتها صائرة الى زوال. واذ يعمد المؤلف الى التفريق بين الأدب والفلسفة، يرى أن الاول يحملنا عبر الغناء أو السرد على ان نحيا تجارب فريدة، محاولا أن يصون ثراء العيش وتنوعه، بينما تعمل الثانية على معالجة مفاهيم نظرية خالصة وتنحو الى التجريد الذي يتيح لها صياغة قوانين عامة وشاملة. الحياة والفن يربط تودوروف أخيراً بين الجمال والحقيقة، معتبراً ان نظرية «الفن للفن» ليست في جوهرها منفصلة عن حقيقة ما قابعة في باطن النص وخفاياه، وهو ما يؤكد عليه بيت جون كتيس الشهير: «الجمال حقيقة، الحقيقة جمال». وحتى فلوبير الذي دافع بعناد عن استقلالية الأدب لا يغفل عن التذكير بشغفه بمعرفة العالم المسخرة من أجل الابداع، حيث الفن عنده هو الحقيقة ذاتها. وأوسكار وايلد، الممثل الآخر للمذهب الجمالي والذي يكثر بدوره من العبارات الحاسمة حول استقلالية الفن، يعود ليؤكد في مقولة جميلة له «بأن الحياة تحاكي الفن أكثر مما يحاكي الفن الحياة»، وهو ما تؤكده النماذج الروائية الفريدة في روايات بلزاك التي ما ان يخلفها حتى تدخل المجتمع المعاصر، ومنذئذ لا نكف عن معاشرتها. كأن وظيفة الفن العميقة هي ان يخلق انطلاقا من المادة الخام للوجود عالماً أكثر تميزاً وديمومة من العالم الذي تراه أعين البشر. على ان خلق هذا العالم، بحســــب تودوروف، يستلزم قبل كل شيء ان لا يقطع الأدب والفن صلتهما بالعالم الحقيقي.

حوار مع صنع الله ابراهيم


تاريخ العدد
27/06/2008
العدد
11034

لــو كــان أبــاً لصغــار لتــردد فــي رفــض الجائــزة صنع الله إبراهيم: لم أكتب كما أتمنى عن الجنس والدين... يتعبني التطرق إليهما
جهينة خالدية
سرقنا منه نصف ساعة.. في ركن منزو في فندق «كراون بلازا» ـ الحمراء، على هامش ورشة «الحريات الثقافية والإعلامية». باح الروائي المصري صنع الله ابراهيم بقليل منه. هو الذي خدمته الظروف قبل نشر كل رواية، وأحياناً هرّبتها من مقاصل الرقابة، إلا روايته الأولى «تلك الرائحة ـ 1966» التي صودرت بعد طبعها وقبل نشرها في ثم أفرج عنها بعد عشرين سنة. قليل من الوقت مع كاتب «اللجنة»، و«ذات»، والرواية الأجمل «التلصص ـ 2007» التي تسلل فيها من ثقب صغير الى طفولته، و«العمامة والقبعة ـ 2008». صنع الله ابراهيم الذي طرح على نفسه، بعد خروجه من السجن، أسئلة عدة: «ماذا أكتب وكيف أكتب؟» و«لماذ يتعين علينا ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور وروعة عبقها بينما الخراء يملأ الشوارع، ومياه الصرف الملوثة تغطي الأرض والجميع يشمّون الرائحة النتنة ويشكون منها»؟ لم يغير ابراهيم في «استراتجيته». ما زالت الوثيقة والمادة الأرشيفية أساس أعماله الأدبية، وما زال يعيش بين قصاصات الصحف وأخبارها، مكرسا جدلا حول أسلوبه التوثيقي الذي يرى البعض انه يفتقد الى الخيال أو الشاعرية. نسأله عن قدرة الكاتب على ممارسة الرقابة الذاتية في ظل القمع الموجود، وهل يمكنه في ظل سقف الحريات المتدني أن يرصد تغيرات المجتمع، والسياسة فيه، والكتابة عنها، لا سيما أنه عمد، منذ الستينيات، إلى طرح ظواهر متغيرة ومتقلبة في المجتمع المصري والعالم العربي. يجيب عن السؤال، بجملتين قصيرتين أو ثلاث. ثم يتذكر أنه قد سُئل لتوه أكثر من عشرة أسئلة، وكأننا سرقناها منه خلسة، ويكاد يكون هذا صحيحاً. يبتسم ويحمل جسده الى جلسة أخرى حول.. الحريات. } نتحدث عن الحريات وأنت نلت نصيبك من الرقابة والسجن، وصودرت رواية «تلك الرائحة» فور طبعاتها وقبل نشرها سنة .1966 منذ هذه التجربة وحتى اليوم، هل ترى تغيرات تتعلق بالحريات في مصر والعالم العربي، أم أننا لا نحقق سوى التراجع؟ ÷ لا تقدم في مسألة الحريات، ولا تراجع في مسألة الرقابة، أو العكس. المسألة لا تقاس بهذا الشكل. هناك نوع من الكر والفر بين كل طالب للحرية وكل سلطة رقيبة. هناك صدام مستمر بين فريقين، أول يشكل السلطة وآخر يضم صاحب الرأي، من كاتب، أو صحافي أو روائي.. من دون أن يستطيع الكاتب أو الروائي أن يتغلب على السلطة، أو ينهي مسألة الكر والفر. هذا أمر صعب جدا. } لم يطلق سراح «تلك الرائحة» إلا بعد عشرين عاماً. كيف يعود الكاتب إلى تلقّف روايته بعد كل هذه المدة؟ هل يعيد كتابتها أو يعدلها؟ وهل يحتاج إلى ذلك أصلاً؟ ÷ هذا أمر صعب. لا يمكن لكاتب أو روائي، بعد الانتظار، كل هذه السنوات، أن يمس رواية صودرت بسبب مقصل الرقابة. عندما عادت رواية «تلك الرائحة» الى النور، نشرت فوراً كما هي. من دون أي نية لتعديلها أو إعادة كتابتها أو تحديثها. } هل أصبحت بعد هذه التجربة الرقيب الذاتي لصنع الله ابراهيم؟ ÷ الاجابة عن هذا السؤال مسألة معقدة، فالرقابة الذاتية تعتمد على ظروف معينة، ولا يمكن تحديد ذلك سلفا أو تعميمه. الظروف هي التي تحدد كيف أكون رقيبا ذاتيا على نفسي. قد يضطر الكاتب أحياناً الى فرض درجة معينة من الرقابة. وفي أحيان أخرى، يرضخ إلى رقابة ذاتية شاملة. أما الخيار الثالث فيكون التوقف عن الكتابة تماما، مثلا. في المقابل يلجأ بعض الكتّاب الى اعتماد الرموز في الرواية، أو خلق مكان افتراضي غريب وعالم سحري ليكتبوا فيه ما يريدون. } وصنع الله ابراهيم يرضخ أيضا للظروف؟ ÷ لا، ليس كثيرا، لأن حظي كان جيدا. فمعظم ما نشرت، صودف أنه نشر في أوقات تميزت بضعف الرقابة. وأعطيكِ في ذلك مثلا: صدرت إحدى رواياتي، التي تهكمت على رئيس الجمهورية، عندما كان الرئيس منتخباً حديثاً، ويهتم لصيته ومظهره، ويروج لنفسه كرجل دولة ديموقراطي. ولم يجد مساعدوه في هذه الرواية ما يمكن أن يُخلق منه ضجة صحافية، واعتبروا أني سأصدر عدداً من النسخ، و«رواية وتعدي.. وعدّت»، وخدمتني الصدفة. } عندما لا تؤاتيك الصدف وترغمك الظروف، هل يمكن أن تهرب الى الكتابة باللغة الإنكليزية أو الألمانية؟ ÷ الكتابة بلغة معينة مثل جلدنا، لا يمكن ان نغيره. لا أعرف الكتابة بغير العربية، حتى لو كان هذا في سبيل المزيد من الحرية في رواياتي. } هل أفرغت في رواياتك كل مخزون عذاب السجن، الذي دخلته بين 1959 و1964 في سياق حملة شنّها جمال عبد الناصر على اليسار؟ أم إنك تترك شيئا لسيرة ذاتية تفصلها عن روايتك تماما؟ وهل يتشابه السجناء السياسيون في الدول العربية عموماً؟ هل تتشابه أنت مثلاً مع رواية «الآن هنا» لعبد الرحمن منيف؟ ÷ بالنسبة إلى الجزء الثاني من السؤال، أجد أنه من الممكن أن تتشابه الروايات التي تكتب في السجون. لكن تبقى لكل منها خصوصيتها، وعبد الرحمن منيف كاتب عظيم. أما في ما يتعلق بالسيرة الذاتية، فلماذا أكتب سيرة ذاتية وأنا أستطيع أن «أورط» نفسي في رواية، أعكس فيها أفكاري وآراء مختلفة؟ أفضل أن أكتب رواية تجمع عناصر متعددة على أن أكتب سيرة ذاتية تتحدث عن.. تتحدث عني! الجنس والدين } لكنك تشبه العديد من شخصيات رواياتك: رمزي سليمان في «شرف»، وبطل «اللجنة»، ورشدي في «وردة».. كأنك تترك الكثير من نفسك في معظم رواياتك بطريقة او بأخرى... ÷ نعم أنا أشبه الكثير من شخصياتي، الى درجة معينة. لا بد أن جزءا مني موجود في الرواية ويكون جزءاً منها. هكذا أترك بعضاً مني في رواية أنسجها، بدل السيرة الذاتية. } هل يؤدي هذا الى تكرار في السياق العام لروايتك؟ ÷ قد يحصل هذا، لكني بصراحة لم أفكر في هذا الموضوع. موضوع أسلوبي ومضمون رواياتي أو تشابهها من المواضيع التي يعذبني التفكير فيها، وأفضل ألا أخوض هذا النقاش مع نفسي. } هل لديك لائحة طويلة بالمواضيع التي تتعب صنع الله ابراهيم ايضاً؟ ÷ ما يتعبني ويعذبني يصاغ في السؤال التالي: الى أي مدى أنا قادر على التعبير عن المواضيع التي تهمني؟ الجنس واحد منها والدين كذلك. لغاية اللحظة، لم أكتب عن الجنس بالشكل الذي كنت أتمناه، أو موضوع الدين. هذان موضوعان يتعبني التطرق اليهما. } هل تعذبك الكتابة عن الجنس وعن الحب؟ ÷ طبعا. } ألهذا لم يكتب صنع الله ابراهيم رواية حب «خالصة» من دون خلفيات سياسية أو ايديولوجية؟ ÷ المرأة موجودة في كل رواياتي، في «وردة»، و«اللجنة»، وفي «التلصص». غالبا هناك قصة حب في روايتي. لكن ربما، في المستقبل القريب، أفكر بكتابة رواية حب فقط. رفض الجائزة } يؤمن البعض بأن أسلوبك ميكانيكي، آلي، وصف خارجي، لا خيال، لا يدخل العمق النفسي.. ورغم هذا، يعجب كثيرون منهم برواية «التلصص»، برغم برودة أسلوبها وصرامته.. فهل في هذه الرواية حنان وتلصص على العودة الى الطفولة؟ ÷ كل رواية من رواياتي تختلف عن الأخرى، من حيث الأسلوب والخصوصية. أما بالنسبة إلى أسلوبي، فهذا حكم النقاد، ومن حقهم أن يقولوا رأيهم، لكني لا أدافع عن نفسي ولا عن أسلوبي أو روايتي. } قلت إنهم اختاروك لجائزة الرواية العربية ,2003 التي تبلغ قيمتها 100 ألف جنيه مصري، «ليكسبوك في صفهم»، وأنت رفضتها. هل حققت موقفا شخصيا برفضك الجائزة، أم إنك استطعت التأثير على موقف عام يتضمن وضع المثقفين في مصر وعلاقتهم بالسلطة؟ ÷ رفضي للجائزة كان موقفا شخصيا، لكنه تحول لاحقا الى موقف عام. والدليل على ذلك الاجتماعات التي عقدت في هذا الاطار، والمناسبات التي نظمها مؤيدون لموقفي، بينهم اتحاد الكتاب. شُكرت على هذه الخطوة، ودعيت الى مناطق ومحافظات مختلفة في مصر، من أسوان الى الاسكندرية. أضيفي الى ذلك العدد الكبير من الرسائل الالكترونية والمكتوبة الداعمة التي تلقيتها، والتعليقات التي كتبت في الصحف، والاتصالات الهاتفية. } وكيف تلقيت ردة الفعل المنتقدة لرفضك الجائزة، من زملاء ومثقفين تربطهم علاقات جد وثيقة بالسلطة؟ ÷ طبعا كان هذا أمراً متوقعاً.. لم أبدِ أي اهتمام به أو بأي مما قالوه.. لكن المفاجئ بالنسبة إلي كان الكم الهائل من المواقف المشجعة والداعمة لرفضي الجائزة. لم أكن أتوقع صدور كل هذه المواقف. فوجئت بوجود حالة تأييد «رهيبة»جداً من المثقفين. واللافت أن الكثير من هؤلاء تعرف عنهم علاقتهم القوية بالسلطة. } كم نسبة من أيدوا مقارنة بمن انتقدوا؟ ÷ ليسوا الأكثرية، لكن الفكرة في وجود رموز، من بين المؤيدين، عملت وتعمل في الهيئات الحكومية، وهناك شباب خارج النظام.. لا كتلة واحدة تجمع المثقفين المؤيدين للحكومة. } وهل حققت موقفاً شخصياً أم موقفاً عاماً؟ عذرا على السؤال، لكن هل يحقق الرفض دعما معنوياً يغني عن ذلك المادي؟ ÷ هذا يعتمد على خصوصية كل حالة، ويرتبط بالظروف التي تحيط بكل شخص. } ماذا عن حالة صنع الله ابراهيم؟ ÷ إن كان صنع الله ابراهيم أباً لأطفال صغار، أتكبد عليهم مصاريف المعيشة والتعليم والصحة، لكنت ترددت في رفض الجائزة، وكنت خضعت إجباريا لكل هذه الظروف، بدل أن أقدم على موقف سياسي وأعلن رأياً شخصياً. وأكرر، هذا يعود إلى مسألة وجود أطفال، فقط لا غير. لكن لحسن حظي أنه لا أطفال صغاراً لدي. وأشدد على هذه المسألة التي لا تعتبر تفصيلاً صغيراً. في نهاية الأمر أنا أعتبر أني حققت ربحاً معنوياً، يساوي، أضعافاً مضاعفة، قيمة الجائزة. } هل تحاول الحكومات اليوم أن تغير استراتجياتها في القمع، وكسب المثقف الى صفها عبر جوائز ومكافآت مالية، لتجعله أسير السجن الكبير الذي تتحدث عنه في الكثير من رواياتك؟ ÷ لا شك في ذلك. لا شك في أن الجوائز واحدة من استراتجيات الحكومات لكسب المثقفين في صفها. لاحظي أن الجوائز تعددت وتنوعت، وارتفعت قيمتها المادية بشكل كبير جداً. والمانحون يكونون، بمعظمهم، من أجهزة السلطة أو الحكومات، أو من فريق معين هو جزء من السلطة بطريقة أو بأخرى. } هل ما زال صنع الله ابراهيم يؤمن بأن المواطن العربي «غير قادر على التكيف مع خسارة موقعه، ومع التحول الاجتماعي السريع» وأنه «ما زال يلتهم نفسه، بدل أن يثور ويتمرد».. كما كتبت في «اللجنة»؟ مع المقاومة ÷ لا أظن أن الوضع على ما هو عليه. تجري في العالم العربي، منذ فترة ليست بقصيرة، تغيرات عديدة. وتتراكم الأحداث السياسية والاجتماعية. هناك تغير يحصل. وهناك تراكم، في لحظة معينة، لا بد أن يحقق نقلة كيفية. المشكلة في العالم العربي أن التراكمات التي تؤدي الى تغيرات أو نقلة نوعية تتحقق بشكل بطيء، وهذا برأيي أمر طبيعي. الأهم انه على الرغم من كل هذا، لا أشعر بالتشاؤم أبدا إزاء مجريات الأحداث أو الأوضاع في بلداننا، بل إني متفائل. ربما بدأت التراكمات، التي أتحدث عنها، منذ عام ,1967 لكن لا بأس، علينا بمزيد من الصبر ولا بد أن نشهد تغييراً نوعياً. } لكننا في ,.2008 كم من الوقت يلزمنا بعد لنراكم؟ وكم من الانتظار علينا أن نرتكب؟ ÷ لا بأس بمزيد من الانتظار. لا بأس بمزيد من التريث. لا بأس بمزيد من الصبر. لا يسعني أن أحدد كم من الوقت سننتظر بعد، أو كم من الوقت نحتاج لنرى اختلافاً في المشهد على الساحة العربية. قد تحصل ثورة ما، ثورة نفسية للشعوب، أو صدمة على صعيد العالم العربي كله. الأهم ألا ننسى أن الأنظمة في العالم العربي كله في حالة أزمة. الأزمة هذه لا بد أن تُحلّ. والحل المنطقي يقول ان التغيير سيكون على حساب الأنظمة العربية. أما في ما يتعلق بآلية التغيير، فذلك يعتمد على خصوصية كل بلد ونسيج كل مجتمع. قد لا تنجح بلدان معينة في إحداث أي تقدم، إلا بعد انقلابات. وأنظمة أخرى قد تزيحها الانتخابات. وفي حالة ثالثة قد نشهد تدخلات دولية، وصراعات بين القوى المتقابلة في العالم (أميركا ـ ايران). } سجن صنع الله ابراهيم بسبب يساريته. اليوم ينحسر دور المشروع اليساري في العالم العربي، وتملأ الساحات مشاريع إسلامية. كيف تقارب انتقال المقاومة من اليسار العلماني إلى المقاومة باسم الدين والأمة؟ ÷ أنا مع المقاومة بأشكالها كلها، بغض النظر عن الفريق الذي يقاوم. لا يمكن أن ننسى المواجهة الرائعة لحزب الله مع الجيش الاسرائيلي على مدى السنوات الماضية، لا سيما خلال حرب تموز الأخيرة. } .. على الرغم من كل الانقسام حول حزب الله اثر الأحداث الأخيرة في بيروت؟ ÷ ما حصل مؤخراً، حالة تتعلق بلبنان ولا أستطيع الكلام عنها، لأني بصراحة غير مطلع على تفاصيلها وحيثياتها. ككاتب، أهتم لفكرة وجود المقاومة، وأؤمن بأن فعل المقاومة يمكن أن يتبناه أي شخص، أو أي فريق. المقاومة ليست حكرا على طرف دون آخر، أو مشروع دون آخر، بل تتسع لكل الأطراف وكل الاتجاهات، حتى لو كانت بالنسبة إلى البعض باسم الله. لهم كل الحرية. المهم انهم يقاومون العدو. من جهة ثانية أقول إني قد أختلف بالرأي مع حزب الله أو حماس، لكني أؤيدهما في شق المقاومة وأعتز بهما.

السبت، 24 مايو 2008

تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي


تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي
هاشم صالح
تاريخ النشر: 2007-11-11



كانوا ثلاثة في القرن التاسع عشر: دوستويفسكي، تولستوي، تورغنييف. ولكن إذا كنا نسمع جميعاً بالاسمين الأولين فإن القليلين يعرفون الاسم الثالث. ولد تورغنيف عام 1818 ومات عام 1883 عن عمر يناهز الخامسة والستين. و قد عاش معظم حياته في الخارج، أي في ألمانيا وفرنسا على وجه الخصوص. واشتهر بحبه لمغنية فرنسية تدعى باولين فياردو. وعلى الرغم من أنها كانت متزوجة إلا أنه ظل يلاحقها لمدة أربعين سنة رافضاً أن يعيش إلا في كنفها أو ظلها حتى ولو بشكل ذليل في أحيان كثيرة. فالحب يعمي ويصم..أليس هو كاتب قصة رائعة بعنوان: "الحب الأول"؟كان كاتب رواية وقصة قصيرة في آن معا. ومن أشهر رواياته "الآباء والبنون". وفيها يتحدث عن الهوّة التي تفصل بين الأجيال: أي جيل الآباء وجيل الأبناء. فالأبناء عنيدون، متشبثون برأيهم، معادون للنظام القائم، وواثقون من أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة. وأما الآباء فقد عركتهم الحياة وأصبحوا أكثر واقعية. وهم يرغبون في الاقتراب من أبنائهم ولكنهم يصطدمون بالرفض القاطع والاحتقار. وهكذا يشعرون بالألم الشديد لأن أبناءهم انفضوا عنهم وأداروا ظهرهم لهم. في الواقع إن هذا الصراع، أي صراع الأجيال، عتيق عتق العالم، ولكنه اتخذ في روسيا آنذاك طابعاً حاداً جدا. ينبغي العلم بأن المادية العلمية للماركسية كانت قد أخذت تنتشر في أوساط الشباب وتتغلّب على الليبرالية الحالمة لجيل الآباء. ولكي يبلور هذا المخطط الإيديولوجي في رواية كاملة، لكي يعبر عنه بطريقة فنية مقنعة، فإن تورغنيف كان بحاجة إلى موديل أو نموذج واقعي لكي يقلّده.فهذا الكاتب الروسي كان من أتباع المدرسة الواقعية المحضة في الفن. وكان يعتقد أن الفنان ليس مطالباً بالبرهنة على أي شيء أو على أي أطروحة إيديولوجية. إنه مطالب فقط بأن يكشف الواقع للناس كما هو لا أن يطلق حكم قيمة على شخصياته الروائية وتصرفاتها. يضاف إلى ذلك أنه لا يخلق شخصياته من العدم، وإنما يستمدها من الواقع الحيّ ومن ملاحظاته كل يوم. ولكن بالطبع فإنه يسبغ على الشخصية الواقعية مسحة الخيال لكي تصبح روائية أو فنية مثيرة للاهتمام. ولذلك فإن شخصية "بازاروف" التي ابتدعها لكي تصبح بطل الرواية كان قد التقاها فعلا في صميم الحياة اليومية ومن خلال طبيب روسي شاب. وكان هذا الطبيب يمثل المبادئ الوليدة أو الجديدة في المجتمع الروسي والتي تلقّت فيما بعد اسم: العدمية بسبب تطرفه وثوريته الزائدة عن الحد. ثم أضاف إلى شخصية هذا الطبيب بعض صفات الكتّاب الذين كان قد تعرف عليهم في سان بطرسبورغ.ومن خلال هذا الخليط الروحي والنفسي نتجت شخصية بطل الرواية: بازاروف. هكذا نجد أنه واقعي وغير واقعي في ذات الوقت. وهنا تكمن الكيمياء الإبداعية الساحرة للفن الروائي. إن شخصية بازاروف هذه الجديدة في روسيا وغير المعروفة سابقاً كانت متمردة على جميع القيم الدينية والأخلاقية والشرعية ولا تعترف إلا بالمعطيات العلمية المادية. هكذا فُهِمت الحداثة في روسيا وذلك بتأثير من الغرب الأوروبي. وكان فهماً ساذجاً وسطحياً في الواقع، ولكنه انتشر انتشار النار في الهشيم في أوساط طلبة الجامعات وبعض المثقفين والصحفيين، الخ... وأما رودين، بطلة الرواية، فكانت تكتفي بمناقشة هذه العقيدة العلمية الداخلة حديثاً إلى البلاد. هذا في حين أن بازاروف كان متطرفاً ولا يقبل بالاعتناق النظري للعقيدة فحسب وإنما يريد تطبيقها عملياً وفوريا. كان يكره الرفاهية والعيش الرغيد. وكان صلفاً، مغروراً يعتقد أنه قادر على مقاومة جميع الإغراءات. وفجأة يضربه القدر في هذه النقطة بالذات. فقد وقع في حب امرأة غصباً عنه، هو الذي كان يعتقد أنه فوق كل المشاعر والعواطف. وفي نهاية الصراع اضطر للاعتراف بأن الأفكار والعقائد الإيديولوجية تبدو عاجزة أمام نداء الحب. باختصار لقد اكتشف أن الحب أقوى من الإيديولوجيا. ثم مات من جرح متعفّن وبكى عليه أبوه وأمه دون أن يفهماه. هذه هي باختصار شديد الخطوط العريضة للقصة.ولكي يوضح فلسفة هذا الإنسان السلبي والتراجيدي فإن تورغنيف أطلق عليه صفة العدمية. وراح يعرّف الشخص العدمي على النحو التالي: إنه شخص لا يحترم أي سلطة، ولا يقبل أي مبدأ بدون تفحّص مسبق مهما تكن أهمية هذا المبدأ وعلوّه. انه لم يعد يحترم عقائد المجتمع الروسي ولا مقدساته بعد أن أصبح منبهرا بالغرب. لقد ماتت في داخله أو قل انعدمت كل المعايير والقيم الموروثة عن الآباء. في السابق كان لدينا هيغليون، والآن لدينا عدميون، يقول تورغنيف. ماذا حصل لشباب هذا العصر؟ في الواقع إن العدمي بازاروف كان يريد أن يطبق على السياسة نفس المناهج الصارمة للعلم المادي وقوانينه الحتمية. وهذه سذاجة ما بعدها سذاجة. وكان يقول بأنه تعب من الثرثرة الإصلاحية المملة لجيل الآباء. ويعيب على الجيل السابق أنه ضيّع وقته في الكلام الفارغ، والتحدث عن الفن من أجل الفن، والدعوة إلى تشكيل برلمان، والنزعة التوفيقية، بدلاً من التفكير بتدبير الخبز اليومي للناس. وبالتالي فإن الثوري الراديكالي العدمي بازاروف يفرض نفسه كشخص واقعي في مواجهة ميوعة الآباء الحالمين الذين لا يغيرون شيئاً في الواقع. وأما الآباء فراحوا يشتكون من هؤلاء الأبناء المتمردين الذين يرمون بأنفسهم في أتّون الممارسة العنيفة وخضم العمل الثوري الانقلابي. كانوا يقفون مكتوفي الأيدي أمام هذه الحالة ويبكون حظهم العاثر لأن أبناءهم أفلتوا من أيديهم بل وأصبحوا يعتبرونهم عالة عليهم، وكأن عهدهم قد انتهى. ومع ذلك فإن هؤلاء الآباء كانوا يعتقدون بأنهم قد ناضلوا سابقاً من أجل العدالة والمثل العليا. وما كانوا مستعدين لأن يتنكروا لشغفهم القديم بالفن والشعر. بل حاولوا أن يجعلوا أبناءهم يشاركونهم أذواقهم وأفكارهم ومشاعرهم. ولكن الأبناء كانوا يرفضون ذلك بقوة، لأنهم يحتقرون كل أدب غير ملتزم، أو غير فعّال ومناضل. فوحده الانخراط السياسي المباشر كان مهماً بالنسبة إليهم. وهكذا حصل خلاف فني بالإضافة إلى الخلاف الإيديولوجي. وما كانوا يتورعون إطلاقا عن اللجوء إلى العنف والقوة من أجل فرض عقيدتهم السياسية. وهكذا خيّم سوء التفاهم بشكل كامل على العلاقات بين جيل الآباء، وجيل الأبناء. ولم يعودوا يفهمون بعضهم بعضا.يحق لنا أن نطرح هنا هذا التساؤل: ألم يصور تورغنيف في هذه الرواية مصير روسيا المقبل لمدة قرن ونصف القرن؟ فجيل الآباء الليبرالي هزم أمام الجيل الشيوعي (أو العدمي بحسب تعبير تورغنيف) لمدة مائة وخمسين سنة. ثم عاد للانتصار من جديد على يد غورباتشيف ويلتسين بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وسقوط الشيوعية عام 1990. ينبغي أن نعلم أن الرواية نشرت لأول مرة عام 1862، أي قبل ظهور لينين وانتصار الشيوعية بخمسين سنة على الأقل. ولكن الروائي بحسه المرهف ورؤياه المستقبلية وضع يده على جوهر الصراع الروسي. فهناك من جهة فئة الليبراليين التي تريد إدخال الإصلاحات بشكل تدريجي إلى البلاد دون تدمير الدين والتقاليد بطريقة عدمية لا مسؤولة. إنها ترفض إعدام الماضي وكأنه لم يكن. وهناك فئة المراهقين الثوريين الذين يريدون حرق المراحل وتغيير المجتمع بالقوة حتى ولو عن طريق البطش والإرهاب. وكل تاريخ روسيا الحديث ما هو إلا ثمرة الصراع بين هذين التيارين الكبيرين. كم تعبت روسيا وكم دفعت الثمن باهظا من جراء هذه المعارك المدمرة بين التيار الإصلاحي المعتدل والتيار الثوري الراديكالي؟ بل وحتى الآن ألا نرى أنها لا تزال متخبطة لا تعرف كيف تحسم مصيرها؟ قدم في الديمقراطية وقدم في الديكتاتورية.أنظر بوتين.. فتارة تسلّم قيادها لحزب الشيوعيين، وتارة لحزب الليبراليين. تارة تعطي نفسها للملحدين العدميين، وتارة تعطي قلبها وعقلها للمؤمنين الأرثوذكسيين أو الليبراليين العلمانيين... هذه هي روسيا، هذا هو تاريخ روسيا كله ملخَّصاً في رواية واحدة. لقد تنبأ به كاتب كبير حتى قبل أن يحصل أو أن يكتمل حصولا. وهنا تكمن عبقرية الأدب. ليس غريباً، والحالة هذه، أن تكون رواية "الآباء والبنون" قد رفعت تورغنيف إلى المرتبة العليا للآداب الروسية.والآن نطرح هذا السؤال: ماذا كانت ردود الفعل على الكتاب وقت صدوره؟ لقد هزَّ الرأي العام المثقف في العمق. ولكن القراء والنقاد نسوا الطابع الفني للرواية ولم يعودوا يهتمون إلا بمضمونها الفكري أو الإيديولوجي. كان تورغنيف متعاطفاً مع بطل قصته المتمرد. وكاد أن يبكي وهو يصف لحظة موته أو احتضاره في الرواية. وقد صرح فيما بعد للصحفيين بأنه يشاطر بازاروف كل أفكاره ما عدا تلك المتعلقة بالفن. وعلى الرغم من ذلك فإن اليساريين الروس انقضوا عليه انقضاضاً رهيباً واتهموه بالرجعية وتأييد الإقطاع. لقد اتهموه بالانتصار لجيل الآباء. نقول ذلك وبخاصة أنه هو ذاته كان من كبار النبلاء والملاّكين الروس. وقالوا عنه بأنه لم يفعل إلا أن دافع عن امتيازاته ومصالحه. وهكذا انصرف جيل الشباب عنه. وراحوا يشتمونه في مجالسهم واجتماعاتهم. بل وراحوا يحرقون صوره. وربما هذا ما دفعه إلى مغادرة روسيا نهائيا. يقول تورغنييف: لقد لاحظت نوعاً من البرودة، بل وحتى الحقد تجاهي لدى أشخاص كانوا مقربين مني، وذلك بعد صدور الرواية. وأما الأشخاص الذين كانوا يقفون في المعسكر المضاد لي، أي المعسكر التقليدي، فراحوا يقبلونني ويهنؤونني. وقد جرحني ذلك، فأنا لم أتخلّ عن معسكر الحرية والتقدم. فقط أردت أن أصور الواقع الروسي كما هو، أو كما يبدو لي دون زيادة أو نقصان... وعلى أي حال فقد ظل ضميري مرتاحاً.لا أعرف لماذا أشعر بانسجام عميق وألفة كبيرة عندما أغطس في نصوص أدباء روسيا ومشاكلهم وقضاياهم. لا أعرف لماذا أشعر وكأني في بيتي وهمومي ومشاكلي..هل لأننا نحن العرب نعيش نفس الحالة التاريخية، أقصد نفس التذبذب، أو نفس الحيرة والضياع والتمزق بين الماضي والحاضر، بين الغرب والشرق، بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة؟ بدون شك. نحن أيضا لم نحسم أمورنا بعد، نحن أيضا ندفع ثمن العبور التاريخي الكبير، ثمن الماضي الذي لا يمضي والحاضر الذي لا يجيء. نحن أيضا لم نتوصل بعد إلى إيجاد تلك الحلقة المفرغة، إلى تحقيق تلك المعادلة المستحيلة التي توفق بين تراثنا العربي الإسلامي والحداثة العالمية. في الواقع أننا كالروس أصحاب تراث عريق، تراث طويل عريض يستعصي على الانسحاق أمام الحداثة الغربية كما تفعل الأمم الأخرى التي لا تراث عظيما لديها. لهذا السبب فان قصتنا طويلة وعذابنا كبير. ولهذا السبب فإننا ننقسم عادة إلى قسمين كبيرين كمثقفي روسيا: قسم يريد الالتحاق بالغرب بأي شكل ويخجل بدينه وتراثه، وقسم يرفض ذلك رفضا قاطعا مفتخرا بدينه وتراثه وزاهدا بهذه الحضارة الفاسدة المفسدة...قد أكون أقدم كاريكاتيرا هنا عن كلا الموقفين.. ولكن ألا يمكن القول بان هناك قسما ثالثا هو الأكبر والأكثر عددا: قصدت أولئك الذين يريدون المحافظة على شخصيتهم التاريخية في الوقت الذي يفتحون فيه قلوبهم وعقولهم على مصراعيها لكي تستقبل الوافد الجديد؟ كان دوستيوفسكي قد عبر عن ذلك أفضل تعبير في خطابه الشهير أمام تمثال بوشكين وبحضرة كبار أدباء روسيا وشخصياتها. وكان خطاب الوداع الأخير..أللهم قد بلغت! وفيه عرف كيف يجد صلة الوصل بين الكونية والخصوصية، بين المحلية والعالمية بطريقة ناجحة وموفقة. عندئذ عرف كيف يجد تلك الحلقة المفرغة، الحلقة الضائعة التي يبحث عنها الجميع دون أن يجدوها. عندئذ حسم المسألة مرة واحدة وإلى الأبد. وقد أبكى الجميع عندئذ بمن فيهم عدوه اللدود تورغنيف الذي هجم عليه لكي يقبله ويعترف بعبقريته التي لا تقاوم. لكن العلاقة بين الرجلين لم تكن دائما هكذا في الواقع. فقبل ذلك حصلت بينهما أشياء وأشياء...وقد أن الأوان بعد إن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة إلى طرح السؤال التالي:كيف كانت علاقات تورغنيف مع تولستوي ودوستويفسكي منافسيه على عرش الآداب الروسية؟ لا نستطيع هنا الإجابة على سؤال واسع كهذا، وإنما سوف نكتفي بالتلميح لعلاقته مع دوستويفسكي. في الواقع إنها كانت متقلبة، غامضة، معقدة. فبقدر ما كان تورغنيف سيداً أرستقراطياً مرفهاً لم يعرف الحاجة المادية في حياته أبداً، كان دوستويفسكي فقيراً، معذباً، معقداً نفسياً، يركض وراء لقمة العيش باستمرار.وبقدر ما كان تورغنيف معجباً بأوروبا الغربية وراغباً في أن تلحق روسيا بها بأي شكل، كان دستويفسكي معتزاً بسلافيته ومتمسكاً بمذهبه المسيحي الأرثوذكسي أو قل بالروحانية الدينية، دون أن يعني ذلك أنه لم يكن معجباً ببعض إنجازات الحضارة الأوروبية. وقد حصل اللقاء الأول بينهما في مدينة "بادن بادن" بألمانيا حيث كان يقيم تورغنيف في فيلا تشبه القصر المنيف. ثم كتب دستويفسكي لأصدقائه هذه الرسالة بعد اللقاء: لقد قال لي بأنه ملحد بالكامل وهو يفتخر بذلك متبجحا. و لكن لماذا يكون ملحداً إذا كان الله قد أعطانا الصورة الكاملة والخالدة للإنسان متجسدةً بالسيد المسيح؟ وماذا نتج عن هؤلاء الملاحدة من أمثال تورغنيف، وهيرزن، وأوتين، وتشيرنشفسكي، الخ... إنهم جميعاً متكبرون، صلفون، متعجرفون... ماذا يأملون؟ ومن سيتّبعهم في روسيا؟ إنهم واهمون. وما يزعجني أكثر لدى تورغنيف هو احتقاره لروسيا بحجة أنها متخلفة عن أوروبا. انه يخجل ببلاده أمام الأوروبيين. وقد قال لي بالحرف الواحد: ينبغي أن نتبع الألمان ونزحف وراءهم زحفا لأنه لا يوجد إلا خط واحد لجميع الشعوب هو: خط الحضارة. والحضارة الآن هي أوروبية ولا شيء غيرها. وبالتالي فإن من يدعون إلى اتباع خط الأصالة الروسية هم أغبياء ليس إلا. وقال لي بأنه يكتب مقالة كبيرة عن عَبَدة الأصالة الروسية والأصالة السلافية لكي يكشف عن نواقصهم وأخطائهم. وهكذا اكتشفت بأنه خائن لروسيا ويزحف أمام الألمان كالعبد الذليل. لا أستطيع أن أتحمل هذا الشخص أبداً...انتهت رسالة دوستيوفسكي.لكن ماذا كان موقف تورغنيف من هذا الاتهام الخطير؟لقد رد عليه برسالة مضادة وشديدة العنف قائلاً: أولا أجد نفسي مضطراً للتصريح بما يلي: من غير المعقول أن أتحدث عن قناعاتي الحميمة عن روسيا والشعب الروسي أمام السيد دوستويفسكي لسبب بسيط: هو أني أعتبره شخصاً مريضاً... فبسبب الهزات النفسية التي تصيبه، وبسبب حالته المعيشية البائسة فإنه لا يتمتع بجميع ملكاته العقلية... وهذا ليس رأيي فقط، وإنما رأي الكثيرين من الناس.ينبغي العلم بأني لم أر السيد دوستويفسكي في حياتي إلا مرة واحدة عندما زارني في بيتي وأخذ يشتم بالألمان وبي وبكتابي لمدة ساعة كاملة ثم انصرف. هذا كل ما حصل. ولم أرد عليه أبداً لأني أعتبره كما قلت لكم شخصاً مريضاً بالفعل...هكذا نجد أن المعارك الفكرية لا تحصل فقط بين المثقفين العرب وتنحدر إلى أدنى مستوى، وإنما تحصل أيضا بين المثقفين الروس وكذلك الفرنسيين وغيرهم. ولا تستخدم فيها فقط الكلمات المهذبة وإنما كافة الأسلحة من مشروعة وغير مشروعة. فتورغنيف لم يتوان عن الإشارة إلى المشاكل النفسية لدستويفسكي من أجل أن يسدّد له ضربة قاضية. ومعلوم أن الإشاعات حول هذه النقطة كانت رائجة ومنتشرة جدا آنذاك. بل وكان هناك أناس مختصون فيها ويغذونها باستمرار.. ولكن يبدو أنه نسي كلمة فرويد الشهيرة أو قل لم يعش بما فيه الكفاية لكي يسمعها: قد تجد في دوستيوفسكي "الشخص" كل عقد الأرض ومشاكلها. ولكن أمام دوستيوفسكي الكاتب أو الفنان لا تملك إلا أن تفعل شيئا واحدا: أن تركع وتنحني!
http://www.alawan.info

الثلاثاء، 13 مايو 2008

نوافذ النوافذ للأديب جمال الغيطاني


لذة الكشف فى (نوافذ النوافذ) للأديب جمال الغيطانى

محمد سمير عبد السلام
02 يوليو 2007
نزعات الاكتشاف الأولى للذات، والعالم ، تنمو فى فضاء الرؤية والشىء المدرك معاً – فى رواية “نوافذ النوافذ” للأديب الأستاذ/ جمال الغيطانى الصادرة عن دار الهلال بمصر 2004م- فالراوى هنا يقيم رؤية للعالم والتاريخ الإنسانى وفق عنصر رمزى، هو (النافذة) وما يتبع هذا العنصر من تحليلات مجازية للوجود الواقعى فى ذاته فالنافذة هى الغطاء المصاحب لتفرد علامات الذات والكون جميعاً، إذ يستحيل التفرد، دون أن تحمل العلامة مدلول النافذة. أما (النافذة) فقد تؤدى إلى الظهور، أو تأجيل عملية الكشف برمتها، إذ إنها فضاء للاحتواء وللفراغ، لأنها سرمدية، وبلا مدلول أحادى، كما تحمل تناقضات الظواهر فى تكوينها الملتبس بين (الأطر والفراغ). إن السارد أيضاً- يقف خلف النافذة ليعاينها فى ذاته فيقف مندهشاً دون أن يدرك سر هذه الدهشة، كأنه يمارس لذة الكشف دون أن يصل إلى الكشف ذاته. تقبع النافذة- إذاً- داخل منظور الذات (العاكس) لتفرد الظواهر والاحتجاب الكامن فيها أيضاً، إذ ليست النافذة مركزاً أحادياً للإدراك، ولكنها عنصر التفرد المؤدى إلى نوافذ وعناصر غير مرئية أخرى فى الذات وعالم الموضوعات. لقد شكلت (النافذة) عالماً من الشخوص والبيوت والممارسات اليومية التى استولت على عقل الأم (المنعزلة)، دون أن تنخرط فيها. إنها الطاقة التى تحقق ممارسة وجودية- فى المتخيل- لأكثر من حدث بسيط فى وقت واحد عن طريق الآخر، فصور الحب تتحقق عبر إشارات فادية وفتحى. أما شتائم المرأة الحلبية وحركاتها تؤسس لأحداث تمثيلية أخرى فى وعى الأم. هكذا كانت النوافذ الأولى مصدراً للرؤية والممارسة وإعادة رسم الآخر فى وعى السارد وأمه.وتعلو نوازع التحام الذات اللاواعية بالنوافذ فى (نوافذ الفزعات) فنظرات أم نبيل هادئة وغامضة ومقطوعة عن الجسد الواقعى فى لاوعى البطل، كما تحمل دلالات التحول الأسطورى أو المسخ إلى حجر أو كلب أعرج. هل كانت نظرة أم نبيل مقطوعة عن هيكلها الحجرى الثابت؟ أم أنها سر غموض الحجر كظاهرة فريدة؟ لقد استدعى هذا التداخل عند البطل – الامتزاج الكونى الأول واختلاط العناصر وتحللها قبل أن يضعها العقل فى قوالب ومسميات. تثير نظرات أم نبيل أيضاً، ذلك الغموض المصاحب للتقديس البدائى للطوطم أو زعيم القبيلة أو الكاهن، تلك الهيمنة الأسرة للذات وحدودها الزمكانية الضئيلة أمام السر الكونى.أما المنزل الخرب فذو هيئة ذكورية حزينة صامتة، من احتلال الفراغ لأجزائه. هل هو الغضب الأسطورى القديم؟ أم أنه أسطورة الفراغ وامتلائه بالأعين والنوافذ غير المرئية؟ ألم يشعر البطل- أمامه- بأنه مراقب ومهدد؟. هكذا تخفى النوافذ كوامن اللاوعى فى الواقع، بينما تظهرها فى عقل البطل. ألم تخرج النار من حدودها وتلتهم الشيخ على الجرجاوى فى حادث أسطورى؟ كأنها خارجة للتو من أحلام البطل؟ إننا هنا أمام اختفاء مراوغ للظواهر خلف النوافذ. فدائماً ما يخشى البطل من أن يقع ضمن ما تحتويه نوافذ الظواهر والأشياء مثل عينى أم نبيل والمنزل المنهدم وتمرد النار، فهذا يعنى أنه فى موقع الضحية وما تحمله من دلالات القداسة والقتل فى وقت واحد. ويرى بهذا الصدد (رينيه جيرار) أنه بدون التحويل المصاحب للقتل، تفقد الضحية فاعليتها، أو قداستها، كما يشير إلى قابليتها للاستبدال بين البشر والحيوانات. (راجع- رينيه جيرار- العنف والمقدس- د.ت/ جهاد هوامش وعبد الهادى عباس/ دار الحصاد بسوريا سنة 1992م).ولكن المؤلف يضيف دلالات جديدة بخصوص من يمكنه القيام بالتضحية وفق عنصر النافذة المتخيل، ألا وهو الظواهر الحية للوجود. وقد يشكك السارد فى الصدق الموضوعى المصاحب لروايته عن حادث غرق قد رآه من استراحة فى مدينة المنيا، فالأهم من معايير الصدق، ذلك التشكيل الفنى والوجودى للصورة واستدعائها لأنين الضحية وعذابها، للخوف اللاإرادى من لا نهائية العمق فى المياه، وندائها الخفى.وتستيقظ الحواس فى نوافذ (الرغبة) لتعيد بناء ما هو مرئى أو مسموع فى المتخيل، لتعيد الذات تشكيل صورتها وفق الأطياف الصوتية والحركية المتولدة عن الحواس، فتصير جزءاً من منظومتها الخاصة دون تفكير فى المادة الأصلية أو الجسد. هل هو التساؤل حول الآخر؟ أما أننا نحيا دائماً بين الظواهر القابلة للتلاشى؟ لقد استقرت آهة صفية مقطوعة عن سياقها، وتاريخها الواقعى فى وعى البطل، وتطور بناؤها الجمالى ليصير مصدراً لإدراك الأنوثة فى العالم. أما إشارات (نوال) مع اكتمالها الجسدى، فقد قوبلت باحتجاب السارد وإغراقه فى النظر عبر النافذة، وكأن الفضاء يحرر الصورة من ارتباطها بقيود الجسد فى اتجاه حركة الحواس المنطلقة. لم يكن البطل يسعى لمعاينة التجربة إذن، ولكنه يستحضر دون كيشوت ومغامرات الفرسان ليعايشها بحواس جديدة وآثار لصور وأصوات تختلط إبداعياً بهذه المغامرات.وتصل الطاقة الذاتية المختلطة بالأثر إلى ذروتها عند الظهور المفاجئ للفتاة الراقصة أمام نافذة البطل، فدورانها السريع يستدعى التلاشى والعدم بداخله، أما حضورها المفاجئ أو تمركزها فى وعيه فيحقق فيه نشأة الكون ولذة الامتزاج، فتفجر الرغبة فى صورتها يعادل بناء الوعى الأول فى اكتشافه لحداثة العالم هل هى حاسته الفنية؟ وقد خرجت من إطارها الذاتى؟لقد تمددت طاقة الفتاة إلى الحد الذى أصبح السارد فيه طيفاً من أطياف الرقصة الكونية، أو نافذة مقطوعة عن المدرك وما تحتوية من ظواهر، إنها نافذة للحواس وحركتها الأسطورية لاغير.وفى (فوافذ السفر) يعيد البطل قراءة الأصل من خلال الظل أو الأثر المتولد عن حضور غامض يستعصى أبداً على التفسير، فانقطاع نظرة أبيه له أثناء سفره بالقطار، يوحى بتوحد مع الصورة كظاهرة لها وجود ناقص، وسريع التبديل، بينما يظل التواصل مع الأب عبثياً لأنه صامت. كما يقابل حماس الأيديولوجيا اليسارية، وما يصاحبها من حضور قوى للاسم أو التوقيع بظاهرة العصفور الأزرق الذى ينفلت من القوائم المعروفة وثوابت العقل واللغة. إنه يخرج الذات من السجن إلى انفتاح العالم كأنه نافذة للسماء، تسخر من أى أفكار قبلية لرؤية العالم.وتمتد الرؤى الذاتية للسارد فى اتجاه غير خطى للزمن أو التاريخ الشخصى بذاكرته فى (نوافذ الظهور) و (نوافذ الروح) إذ تصير الذات جزءاً من صور فنية وحضارية فريدة، فالسفر إلى صورة (رمسيس الثالث) فى (معبد هابو) يختلط بالتكرار الإبداعى لصورة الشمس، ويذكر باستدارة الوجود والعالم دون مراحل خطية ثابتة هل هو حضور البعث من ذاكرة تؤمن بالإبداع؟وفق منظور جديد للذات يمكن قراءة لوحات إدوارد هوبر أو صورة كلب يلهو بسمكة فى البر الغربى. فالذات هنا نافذة مفتوحة تحتوى عناصر اللهو خارج إطار العقل التقليدى، إنها مثل نوافذ (هوبر) الكبرى، الأقرب إلى انفتاح الفضاء والاتساع الممزوج بالوحدة والتأمل.هكذا ترتدى علاقة السارد بأبيه ثوباً فنياً من خلال شخصيات (هوبر) إذ يظل التوحد أو التواصل مع الآخر، يذكر أبداً بوحدة الإنسان فى مواجهة الظواهر، ففى إحدى لوحاته امرأة عجوز تمسك كتاباً وتتأمل تواجهها فتاة ترتدى لباس البحر وخلفهما النوافذ، كأن النوافذ لم تحقق الكشف، لأنها صامتة ولا تقوى على احتواء الآخر، وفى صمتها تكمن نوافذ أخرى لما تفتح خلف انفصال ظواهر الوجود، ووحدانيتها المتناقضة. وفى (نوافذ مؤدية) يتأمل السارد- نظرياً- الكون بوصفه مجموعة من النوافذ ونوافذ النوافذ إلى مالا نهاية، يصحب هذا التأمل حنين إلى التلاشى أو التوحد بالماء، إلى اختراق الفراغات المقدسة لنوافذ الوجود، حيث تخرج الذات من حدودها إلى الفضاء، وما فيه من صور تحيل إلى نوافذ أو العكس.
محمد سمير عبد السلام

الاثنين، 5 مايو 2008

الرواية قادمة لامحالة محمد صلاح العزب اخبار الادب 772-2008


الفرق بين الرواية الجديدة ونظيرتها القديمة كالفرق بين مروحة من ريش النعام تحملها جارية حبشية طازجة، وتكييف مركزي حديث يعمل بالريموت كنتروللا أحد يعلم علي وجه الدقة، إذا كانت الرواية هي الحقيقة، أم أنها تضع نقاطا يسير الواقع عليها مستسلما.. الرواية تسبق بخطوة، والكل يلهث خلفها، المشاة في الشوارع والقطارات السريعة، والطائرات المروحية، والساسة، وباعة اليانصيب، والإرهابيون، والحوت الأزرق، والزراف الاستوائي.. الرواية تنتشر، وتستمر، وتتوغل، تفرض سطوتها علي كل الفنون الأخري، فيتراجع الشعر في إذعان، ويتخلي المسرح عن صدارته، وتعلن القصة استسلامها، وتعقد السينما والفن التشكيلي والموسيقي مع الرواية اتفاقا بتبادل المنفعة، الرواية تسود، وتملي شروطها، تهدد، وتتوعد، تعطي وتمنع، ترضي وتغضب، ترفع أقواما وتخفض آخرين.في البدء كانت الرواية، الحكي سيد التاريخ.. التاريخ رواية لاتتمتع بحبكة مناسبة، كتبت علي عجل، تدهش أحيانا، وتؤلم كثيرا، التاريخ رواية جاهزة لتعذيب القراء، القراءة إجبارية، وليست هناك رفاهية لغلق الكتاب ووضعه في رف المكتبة.الرواية امرأة عجوز تحتفظ بحلاوة صوتها، تعاكس المراهقين في التليفون فقط، قليلون جدا رأوها وتعاملوا معها وجها لوجه، أثنوا علي خبرتها العريضة، وقدرتها الهائلة علي المراوغة والتهرب.
***
الرواية مترو أنفاق، بسائق واحد يقود آلاف البشر حيث يريد هو، برضاهم، له قضبان، لكن لا أحد يعلم محطته، لاتنزل إلا بعد أن تحصل علي متعتك كاملة، الفرصة لاتأتي كثيرا، هذا العرض لفترة محدودة.الفرق بين الرواية الجديدة ونظيرتها القديمة، كالفرق بين مروحة من ريش النعام تحملها جارية حبشية طازجة، وتكييف مركزي حديث يعمل بالريموت كنترول، كالفرق بين قدح من خلاصة الأعشاب البرية يمنح القوة ويرد الشباب، وكوب نسكافيه بلاك مصنوع بآلة تعمل بالعملات المعدنية.لا أحد يعلم علي وجه الدقة، هل يكتب الروائي روايته، أم تكتب الرواية عالمها الكامل، بما فيه كاتبها، وأوراقه، وأقلامه، ومنضدته، وكوب شايه.. كل أبطال الروائي حقيقيون أكثر منه، هم اخترعوه، واتفقوا فيما بينهم أن يلعبوا معه لعبة طريفة أعلموه بها: أنت تكتب ونحن نعيش، نأكل ونشرب ونتضاجع.. طالما اخترت الكتابة اكتب، ونحن سنحيا بدلا منك، حتي نخبرك بكل هذه المتع الموجودة في الحياة، لولانا ما كنت ستعرف شيئا.الروائيون فيما بينهم كتجار السوق الواحد، يريد كل منهم لسلعته الرواج، لكن حين تمطر السماء يبتلون جميعا، فيهرول كل إلي جاره، يجتمعون في بداية السوق وفي نهايته، أحص دراهمك، ومكاسبك، وزبائنك، الصيت ولا الغني، والرواية الطيبة صدقة.اقترب.. هنا باعة الكلام، الكلمة بأوقية من الذهب، والبائع خاسر، هنا باعة الحكايات حكايات محلية عجيبة، وأخري مستوردة من الهند، وثالثة جاءت من بلاد لاتعرف قيمة الحكايات، البائع خاسر.. وبين البائع والمشتري صك إذا أغلقاه فلن يفتحه الله رغما عنهما.
***
الكاتب مع قارئه كالصائغ الماهر مع زبوناته الجميلات. تعددت الأذواق والقرط واحد، والسوار واحد، والقلادة واحدة.. هذه ياسيدتي ستكون تحفة في رقبتك، وهذا سيأكل قطعة من معصمك الجميل، هل تحبين أن تجربي هذا ايضا، خذي هذا هدية عليه، نحن نفتح مبكرا، ونعمل طوال أيام الأسبوع، لانعترف بالعطلات، ننام قليلا، ونسهر من أجل راحة القراء، القاريء مع كاتبه، مثل صاحب البيت الذي لايعجبه سلوك المستأجرين، مثل حماة تتصيد أخطاء زوجة ابنها لتنهرها.. لماذا كتبت هذا الاهداء، ألا تعلم أن الروايات تكون أفضل كثيرا من دون اهداءات؟ هل الشخصية الرئيسية في الرواية تعبر عنك؟ ألم تجد مصيرا أفضل لبطلك من الموت في بداية الرواية؟ هل الأحداث التي ذكرتها في روايتك الأخيرة حقيقة؟الكاتب يكتب عن الحياة، تلك التي لايرضي عنها أحد، يكتب عن الأشجار المورقة، بالوعات المجاري، سيارات الأجرة، سلالم البنايات العالية، الظلام، الرصيف، البهجة، الشحاذين، فتيات المحلات الفقيرة، عن المقاهي، زنا المحارم، الأنهار، العطارين، الجامعات، أمراض القلب، الحشرات، الشيزوفرينيا، المطاعم، الجبال، الأصدقاء، فتيات الليل، الشقق الكئيبة، المخدرات، الشاي، السجون، القبعات، الكاتب يكتب عن كل الأشياء التي يكرهها القاريء، وفي النهاية يطلب منه تعاطفا ما، رغم أن التعاطف وحده ليس كافيا.
***
هل يمكن أن يجمع العالم في وقت ما علي عدم قبول روايات جديدة، والتخلص من كل الروائيين دفعة واحدة، بجمعهم في طائرات تسقط مصادفة في المحيط الأطلنطي، أو بإجبارهم علي إحتساء عقار يعطب الخيال، أو بإطلاق عدد كبير من القراء خلفهم في حي سكني مزدحم، من يفز بروائي فهو ملك له، يفعل به ما يشاء إلا منحه فرصة كتابة رواية أخري؟ هل سيدرك العالم في وقت ما أن الروائيين هم سبب بلائه؟ لو لم أكن روائيا لوددت أن أكون روائيا، من هنا مثل الروائي؟ لاعب الكرة؟ الممثل الكبير؟ المطرب الأشهر؟ ألم يشكلهم الروائي بيديه؟ هو ابتكرهم ومنحهم الحياة، والشهرة، والمجد، والمال، لإضفاء جو أسطوري علي أحداث روايته، الروائي أشعل فتيل الحرب، ووضع الحدود بين الدول، ووزع الثروات الطبيعية بينها، تقمص دور فنان تشكيلي ولعب في ألوان البشرة، هذا شعب أشقر، وذاك أصفر، هذا يليق به السواد القاتم، وذاك ينفعه البياض، عيون خضراء وزرقاء وسوداء وبنية ورمادية، شعر أسود وأشقر وكستنائي وأحمر وأبيض، الروائي أعلن عن بدء اللعبة، لم يقل: كن، فقط أشار بإصبعه، وبدأ يكتب دون أن يحدد أبطاله أو خيوطه الرئيسية.لا أحد علي وجه الدقة يعلم، هل الرواية هي الحقيقة، أم انها كتاب لتفسير الاحلام، أو وصفة شعبية لعلاج أمراض الجسد والروح في آن واحد، رواية لنزلات البرد، وأخري لعلاج الصرع، وثالثة لسرطان الثدي، ورابعة للاكتئاب.. ممنوع صرف الدواء إلا بأمر الطبيب، ولدواعي الاستعمال انظر النشرة الداخلية.يحدث أن يكون الروائي سائرا بصحبة امرأة ما، ثم يتوقف فجأة وينزع ذراعه من ذراعها ليسأل نفسه: لماذا أكتب؟ يطول وقوفه، ربما يشعل سيجارة، أو يجلس علي أقرب مقعد، ليواصل التفكير، ويحدث أيضا أن يقرر الروائي كثيرا أن يكف عن هذا العبث ويتوقف عن الكتابة، ربما يبيع كتبه ومكتبته لأول بائع 'روبابيكيا' يمر، ويعيد تنظيم شقته، وحياته وأوراقه، لكن الروائي أول واحد يعلم أن هذا لن يستمر طويلا، الرواية قادمة لامحالة.الروائيون في غرف مكاتبهم المغلقة المعبقة بالدخان، وفي أقبيتهم، ومقاهيهم، وغرف نومهم، يمتلكون قدرة هائلة علي البكاء، لايعرف السرد إلا من يكابده، ولا الرواية إلا من يمتلك القدرة علي الألم، لماذا تتألم أقل مادام بإمكانك التألم أكثر واخراج رواية جيدة.



الرواية بعد محفوظ.. العقوق الجميل لأبناء الجبلاوي

نائل الطوخي naeleltoukhy@yahoo.com الحوار المتمدن - العدد: 1725 - 2006 / 11 / 5
بعد نجيب محفوظ لم يثر الضجيج في الرواية المصرية إلا جيلان، الستينيات والتسعينيات، وعلي قدر ما حافظ الأول علي علاقة هشة مع محفوظ ومع كتابته علي قدر ما حاول الثاني قطع العلاقات بقوة، في النهاية، لم يبق مما يحمله الستينيون أو التسعينيون من اعجاب للرجل إلا وكان نابعا من النوستالجيا، الحنين لليبرالي الأخير الذي لم تلوثه الثورة، والنظر الي كتابته المبكرة كأنها نوع من كتابة انقرضت، وعدم التعاطف التام مع كتابته المتأخرة في نفس الوقت. برغم هذا لا يمكننا إلا أن نلمح في روايات الستينيات جذورا محفوظية واضحة، ولا يتعلق الأمر بتقسيم ساذج للروايات الي تاريخية وسياسية واجتماعية وانما يتعلق الأمر بحيل كتابية بدأ استخدامها ثم طورها من جاؤوا بعده، فقبله لم نشهد لتيار الوعي وجودا في أدبنا العربي، والآن يستخدمه الكثيرون ويصبح حيلة شائعة في الكتابة، وفي مجموعاته القصصية بدأ طريق العبث والذي استطاع صنع الله إبراهيم فيما بعد تطويره ليصبح سخرية ومحاكاة ساخرة لخطاب السلطة غير المعقول. بدأ محفوظ الرواية الفلسفية حيث أبطاله يبحثون عن المطلق مثل الله والحقيقة، لينمو هذا البحث في طريق الايمان المطلق بالأيديولوجيا عند فريق من الستينيين، وعند فريق آخر تفتت هذا البحث الي لحظات متناهية الصغر مثلما في كتابة إبراهيم أصلان حيث يحاول الرجل جهده ألا يسقط كوب الشاي منه في رواية وردية ليل مثلا وتدور حوارات فلسفية عبثية تماما بين أبطاله، أو يتطور حتي الي نفس البحث عن قيم أخري مشابهة مثل العدالة والحرية في مواجهة قيم قمعية مباشرة تقدمها السلطة كما في الزيني بركات أو في مواجهة شبكة أخطبوطية تدمر روح الانسان مثلما في حكايات المؤسسة لجمال الغيطاني.بمفهوم ما بدأ نجيب جنس الرواية وطوره ايضا. قبله لم يكن ثمة وجود للرواية بمعناها الفعلي، وكأنه لم يكتف بهذا بل استطاع التمرد علي نفسه عدة مرات، من الرواية التاريخية الي الاجتماعية الي الفلسفية، في كل هذا كان يتجه أكثر نحو داخل الانسان انتهاء بالأحلام داخل الداخل، ويقوم بمسيرة أخري. تبدأ الثلاثية بنفس رائق ليصف كل سكنة وكل لمحة في حياة أبطاله لتنتهي راكضة لاهثة، لتلاحق تطورات وانهيارات العائلة المصرية، ما بين الطريقين كان نجيب يصل بالرواية الي ذروته الخاصة، ولا يتقدم فيها، يضع دمه فقط علي أولها، ليترك الطريق لأبنائه وأحفاده فيواصلون. مثلا، لم يول اهتماما بالتفاصيل كعنصر بصري مثلما يفعل الكتاب الشباب الآن للتقريب بين عالم الرواية وعالم السينما، وانما اهتم بالتفاصيل من ناحية اخري، من ناحية أن أي أدب واقعي يجب أن يصف كل شيء. كل شيء ينبغي أن يكون مبررا، ولا مجال هنا للسهو، وفي مراحل تطوره اللاحقة سيبدأ نجيب في اهمال التفاصيل، سنجد زمن الباقي من الزمن ساعة أو حديث الصباح والمساء يسير لاهثا كما هو الزمن في ملفات الأرشيف بحيث يبدو أنه لا يخلق حياداً وانما سيراً ذاتية للبشر فحسب، هنا سيبدو أن الطريق الذي اختاره كان علي عكس طريق أبنائه تماما.ستتطور الرواية بعد نجيب، وهذه حقيقة من حقائق الزمن للأسف، لن يقف الزمن علي نجيب ولن تنتهي الرواية بموته مثلما حيت بحياته ولكن مع تحفظ بسيط لن تكون هي الرواية النجيبية بحال، ستختفي التشابهات بينها وبين روايات نجيب محفوظ الي حد أن يكون معذورا من يتصور أن جنس الرواية قد يختفي، من يتصور مثلا ان الرواية التي يكتبها مصطفي ذكري أو مي التلمساني قريبة بشكل من الأشكال الي زقاق المدق؟ هنا علي الأب الأكبر أن يسلم بعقوق أبنائه الجميل، وألا يحرمهم من اسمه في نفس الوقت، من اسم الرواية التي يكتبون في اطارها، تطورات كثيرة مرت بها الرواية المصرية والعربية، تطورات أدت بها الي أن تنكر أفرعها أصلها كما يتنكر أصلها من تفرعاتها المختلفة، قد يكون واجبا أخلاقيا أن نقول بأن الرواية العربية لن تموت بموت نجيب، واجبا في مقابل من تحركهم العقلية الأبوية في أقصي تجلياتها قسوة ليقولوا بأن الأب لم ينجب، وأنه بموته سينتهي عالمه عليه، فحتي الجبلاوي في رواية محفوظ أولاد حارتنا ، والتي فتحت الباب بعد ذلك للرواية الرمزية ولاستيحاء التراث المقدس مع نظرة علمانية كأساس للكتابة حتي الجبلاوي مات لتبدأ الرواية بموته وبحياة عرفت بدايته الحقيقية.

السبت، 26 أبريل 2008

الرواية اليوم بقلم الدكتور أحمد الخميسي


الرواية اليوم

أحمد الخميسي ahmad_alkhamisi@yahoo.com الحوار المتمدن - العدد: 1343 - 2005 / 10 / 10 is -->
مالكوم برادبري روائي وأستاذ لغة وأدب بعدة جامعات بريطانية وأمريكية ، من كتبه " مقالات عن الحالة الروائية " عام 1972، وروايات مثل " الاتجاه غربا " و" الرجل التاريخي " ، أما كتاب " الرواية اليوم " الصادر عام 1969 فإنه عدة مقالات لكتاب مختلفين قام برادبري بجمعها لتعطي معا صورة محددة لمشكلات الرواية . قام بترجمته أحمد عمر شاهين . ومع أن ثلاثين عاما تفصلنا عن الرواية ذلك " اليوم " إلا أن الأسئلة المطروحة هي تقريبا هي أسئلة يومنا هذا . أصبحت الرواية أكثر تقلبا وقلقا وتساؤلا حول ذاتها . هناك أسئلة كثيرة مطروحة حول طبيعة السرد ، ودور الحبكة ، والشخصية ، والعلاقة بين الواقعية والخيال ، وإلي حد كبير فقد النص الثابت ثباته ، وظهرت التساؤلات حول القواعد الأساسية للرواية مصحوبة بنظرة اختلف فيها مفهوم الزمن ، وتعمق الشعور بأننا نحيا في كون هو ذاته عارض وطارئ وبالتالي مجهول ووحشي يقوم على المصادفة إلي حد كبير، وبدا أن العالم لم يعد مبنيا على السببية بل على التجريبية ، وزادت الشكوك في صلابة العقائد والمبادئ ، وأحيانا في جدوى تلك العقائد ، وأخذت الرواية وهي تفقد الكثير من ارتباطها السابق بالقضايا الواقعية والديمقراطية الذي ميزها سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية ، تميل إلي التخلي عن أساليب الكتابة القديمة التي تأسست على نظرة مختلفة ، وراحت توسع لنفسها المجال في إدراك الإمكانيات الشعرية والرمزية ، والمنابع الأسطورية ، والتجريب ، وإزالة الحدود بين الحقيقي والمتخيل ، والوعي واللاوعي ، وتشابك الأساليب وطرق القص ، والتأكيد على إمكانية أن يصبح النص حدثا مكتفيا بذاته محكوما بإيقاع الإنشاء. ويقول جون هوكس في هذا السياق : " بدأت أكتب الرواية مفترضا أن أعداءها الحقيقيين : الحبكة ، الشخصية ، المكان والزمان ، والموضوع. فإذا ابتعدت عن هذه الطرق المألوفة في السرد الروائي ، لن يتبقى لي سوى الروية الكلية ، والتركيب الروائي ، أي بالدرجة الأولى : الترابط اللغوي والنفسي للعمل " . لكن الروائي الحديث فقد كما لاحظ هنري جيمس شيئا من إيمان القرن 19 بالواقعية ، وميل الرواية إلي التوثيق الاجتماعي وعلاقتها بالأحداث والحركات التاريخية . وخلال ذلك تتجه جهود الروائيين أكثر فأكثر للتركيز على الشكل . وخلال التركيز على الشكل تبرز عمليتان مختلفتان ، الأولى كما يشير الكاتب الأمريكي فيليب روث: " يلتفت فيها الروائي إلي ذاته ، وتتكشف له قدرته وموهبته بوجودها وتصرخ فيه : أنا موجودة ، ثم تلقي إليه بنظرة طويلة لطيفة قائلة : وأنا جميلة ، فلماذا يلتفت إلي العالم إذن ؟ " ، ومن ثم يبني الروائي عوالم خيالية تماما ويقيم احتفالية لذاته التي تصبح موضوعه المفضل تحت ضغط المأزق العام ومشاعر الكآبة والعجز التي تثبط همة الروائي وتدفعه للانسحاب الطوعي من الاهتمام بالظواهر الاجتماعية والسياسية الكبرى ، إلي أن يكف الواقع الاجتماعي عن كونه موضوعا مناسبا للمعالجة الروائية. وكما تقول الروائية إيريس ميردوك فإن : " إحساسنا بالشكل باعتباره أحد أركان رغبتنا للتسلية والمواساة ، يمكن أن يكون خطرا على إحساسنا بالواقع كخلفية خصبة منحسرة " . أما العملية الثانية التي تبرز مع محاولات تجديد الشكل فهي التي ترى أن ذلك التجديد كما يقول ميشيل بوتور هو : " أمر لا يناقض الواقعية على الإطلاق ، بل إنه شرط ضروري للوصول لواقعية أكبر " . يضم كتاب " الرواية اليوم " اثنتي عشرة مقالة مختلفة تتناول جوانب عديدة من قضية الرواية ، وإنجازات بورخيس ، ونورمان ميلر ، وجيمس جويس، غيرهم ، والقضايا التي يثيرها الكتاب من خلال مقالات مجموعة من كبار النقاد والروائيين تشبك بقوة مع مشكلات ووضع الروائي والرواية عندنا في يومنا هذا ، ومن هنا تأتي الأهمية البالغة لذلك الكتاب الذي ترجمه الأستاذ أحمد عمر شاهين باقتدار وسلاسة ونشرته سلسلة مكتبة الأسرة . وفي اعتقادي أنه أحد الكتب التي لا غني عنها لكل مؤلف وروائي يشق طريقه إلي ذلك العالم الممتع والصعب ، الذي تغدو فيه الرواية أحد أفضل الأجناس الأدبية لدراسة كيفية تحول الواقع إلي خيال .

الجمعة، 25 أبريل 2008

هل حقا أننا نعيش زمن الرواية العربية وأنها اليوم وليس الشعر هي "ديوان العرب"؟
وهل هناك ما يسمى زمن الشعر أو المسرح أو القصة؟
أعتقد ان كل هذه التوصيفات مؤقتة ومرتبطة بالوضع والتطور الاجتماعي العربي وهي أي الرواية وان تحظى اليوم بهذا الانتشار ما هو الا حاجة القارىء العربي لأن يرى نفسه من مراُة الرواية التي يسمح اطارها وشكلها برسم تفاصيل الحياة والتجارب والقمع الذي يتعرض له القارىء في معظم بلداننا العربية.وقد يجد فيها القارىء في بعض الاحيان فرصة للتنفس الحقيقي وامكانية للتعبير عن رفضه للواقع بكل أشكاله,لذا نجد القارىء يحب الاقتراب من الرواية المعقدة في حبكها لانها تعطيه فرصة ومادة يوظفها لتفكيك أجزائها حسب فهمه وقدرته على الاستيعاب وهذا الامر لا يتحقق طبعا الا على يد الروائيين الموهوبين أمثال بهاء طاهر وخيري شلبي وجمال الغيطاني وغيرهم من المبدعين.
ولان خطاب الرواية بعكس بعض الاجناس الادبية الاخرى كالمسرح مثلا لا يمكن أن يكون مجاملا للسلطة بل دائما ناقدا ومحاربا لها لذلك نجده يتغلغل في صلب المجتمع ليكشف العيوب بلغة راقية ومتعددة المستويات في فهمها وهو بذلك متاح لأوسع شريحة من الجمهور الذي لا يتقن فن الاستماع للمسرح أو للشعر ومن هنا بات هذا التبؤ مكان الصدارة بين القراء للروايةغير محتاج الى تفسير.

الاثنين، 24 مارس 2008

لنتخيل العالم للحظة واحدة أنه من دون نجيب محفوظ وتولستوي وشيخوف ودوستيوفسكي وبروست وغيرهم.
هل تتصورون ذلك ؟هل يمكن الغوص في أعماق الادب دون العودة الى روايات اولئك العباقرة! لا يمكن طبعا
ان الشكل الروائي هومخزن للكشف عن المجتمع غي كل طبقاته واداة للتعرف على العلاقة الجدلية بين السلطة في كل زمان ومكان وبين الفرد من هذه السلطة,مع الرواية بمقدورنا التعرف على التاريخ البشري ان اردنا عدم العودة الى كتب التاريخ الجافة!.
أصدقائي هذه دعوة مفتوحة لكل من يحب الرواية ويرى فيها فنا ادبيا راقيا الى المشاركة بكل الأراء حول انواع الرواية ومدى تأثرها بالظرف التاريخي المولودة فيه وكذلك والاهم من ذلك هو أن نشارك بعضنا البعض في الروايات التي قرأناها والنصائح بقراءة روايات ترونها تستحق الوقوف عندها.
على امل أن يتجمع حول هذه المدونة عشاق الرواية لنعيش أجمل ساعات العشق بعيدين عن جو الخطابات السائدة والرائجة اليوم والتي لا داعي لذكرها.
وشكرا لكل من يريد ان يدلي بدلوه.