السبت، 24 مايو 2008

تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي


تورغنييف: ثالث عمالقة الأدب الروسي
هاشم صالح
تاريخ النشر: 2007-11-11



كانوا ثلاثة في القرن التاسع عشر: دوستويفسكي، تولستوي، تورغنييف. ولكن إذا كنا نسمع جميعاً بالاسمين الأولين فإن القليلين يعرفون الاسم الثالث. ولد تورغنيف عام 1818 ومات عام 1883 عن عمر يناهز الخامسة والستين. و قد عاش معظم حياته في الخارج، أي في ألمانيا وفرنسا على وجه الخصوص. واشتهر بحبه لمغنية فرنسية تدعى باولين فياردو. وعلى الرغم من أنها كانت متزوجة إلا أنه ظل يلاحقها لمدة أربعين سنة رافضاً أن يعيش إلا في كنفها أو ظلها حتى ولو بشكل ذليل في أحيان كثيرة. فالحب يعمي ويصم..أليس هو كاتب قصة رائعة بعنوان: "الحب الأول"؟كان كاتب رواية وقصة قصيرة في آن معا. ومن أشهر رواياته "الآباء والبنون". وفيها يتحدث عن الهوّة التي تفصل بين الأجيال: أي جيل الآباء وجيل الأبناء. فالأبناء عنيدون، متشبثون برأيهم، معادون للنظام القائم، وواثقون من أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة. وأما الآباء فقد عركتهم الحياة وأصبحوا أكثر واقعية. وهم يرغبون في الاقتراب من أبنائهم ولكنهم يصطدمون بالرفض القاطع والاحتقار. وهكذا يشعرون بالألم الشديد لأن أبناءهم انفضوا عنهم وأداروا ظهرهم لهم. في الواقع إن هذا الصراع، أي صراع الأجيال، عتيق عتق العالم، ولكنه اتخذ في روسيا آنذاك طابعاً حاداً جدا. ينبغي العلم بأن المادية العلمية للماركسية كانت قد أخذت تنتشر في أوساط الشباب وتتغلّب على الليبرالية الحالمة لجيل الآباء. ولكي يبلور هذا المخطط الإيديولوجي في رواية كاملة، لكي يعبر عنه بطريقة فنية مقنعة، فإن تورغنيف كان بحاجة إلى موديل أو نموذج واقعي لكي يقلّده.فهذا الكاتب الروسي كان من أتباع المدرسة الواقعية المحضة في الفن. وكان يعتقد أن الفنان ليس مطالباً بالبرهنة على أي شيء أو على أي أطروحة إيديولوجية. إنه مطالب فقط بأن يكشف الواقع للناس كما هو لا أن يطلق حكم قيمة على شخصياته الروائية وتصرفاتها. يضاف إلى ذلك أنه لا يخلق شخصياته من العدم، وإنما يستمدها من الواقع الحيّ ومن ملاحظاته كل يوم. ولكن بالطبع فإنه يسبغ على الشخصية الواقعية مسحة الخيال لكي تصبح روائية أو فنية مثيرة للاهتمام. ولذلك فإن شخصية "بازاروف" التي ابتدعها لكي تصبح بطل الرواية كان قد التقاها فعلا في صميم الحياة اليومية ومن خلال طبيب روسي شاب. وكان هذا الطبيب يمثل المبادئ الوليدة أو الجديدة في المجتمع الروسي والتي تلقّت فيما بعد اسم: العدمية بسبب تطرفه وثوريته الزائدة عن الحد. ثم أضاف إلى شخصية هذا الطبيب بعض صفات الكتّاب الذين كان قد تعرف عليهم في سان بطرسبورغ.ومن خلال هذا الخليط الروحي والنفسي نتجت شخصية بطل الرواية: بازاروف. هكذا نجد أنه واقعي وغير واقعي في ذات الوقت. وهنا تكمن الكيمياء الإبداعية الساحرة للفن الروائي. إن شخصية بازاروف هذه الجديدة في روسيا وغير المعروفة سابقاً كانت متمردة على جميع القيم الدينية والأخلاقية والشرعية ولا تعترف إلا بالمعطيات العلمية المادية. هكذا فُهِمت الحداثة في روسيا وذلك بتأثير من الغرب الأوروبي. وكان فهماً ساذجاً وسطحياً في الواقع، ولكنه انتشر انتشار النار في الهشيم في أوساط طلبة الجامعات وبعض المثقفين والصحفيين، الخ... وأما رودين، بطلة الرواية، فكانت تكتفي بمناقشة هذه العقيدة العلمية الداخلة حديثاً إلى البلاد. هذا في حين أن بازاروف كان متطرفاً ولا يقبل بالاعتناق النظري للعقيدة فحسب وإنما يريد تطبيقها عملياً وفوريا. كان يكره الرفاهية والعيش الرغيد. وكان صلفاً، مغروراً يعتقد أنه قادر على مقاومة جميع الإغراءات. وفجأة يضربه القدر في هذه النقطة بالذات. فقد وقع في حب امرأة غصباً عنه، هو الذي كان يعتقد أنه فوق كل المشاعر والعواطف. وفي نهاية الصراع اضطر للاعتراف بأن الأفكار والعقائد الإيديولوجية تبدو عاجزة أمام نداء الحب. باختصار لقد اكتشف أن الحب أقوى من الإيديولوجيا. ثم مات من جرح متعفّن وبكى عليه أبوه وأمه دون أن يفهماه. هذه هي باختصار شديد الخطوط العريضة للقصة.ولكي يوضح فلسفة هذا الإنسان السلبي والتراجيدي فإن تورغنيف أطلق عليه صفة العدمية. وراح يعرّف الشخص العدمي على النحو التالي: إنه شخص لا يحترم أي سلطة، ولا يقبل أي مبدأ بدون تفحّص مسبق مهما تكن أهمية هذا المبدأ وعلوّه. انه لم يعد يحترم عقائد المجتمع الروسي ولا مقدساته بعد أن أصبح منبهرا بالغرب. لقد ماتت في داخله أو قل انعدمت كل المعايير والقيم الموروثة عن الآباء. في السابق كان لدينا هيغليون، والآن لدينا عدميون، يقول تورغنيف. ماذا حصل لشباب هذا العصر؟ في الواقع إن العدمي بازاروف كان يريد أن يطبق على السياسة نفس المناهج الصارمة للعلم المادي وقوانينه الحتمية. وهذه سذاجة ما بعدها سذاجة. وكان يقول بأنه تعب من الثرثرة الإصلاحية المملة لجيل الآباء. ويعيب على الجيل السابق أنه ضيّع وقته في الكلام الفارغ، والتحدث عن الفن من أجل الفن، والدعوة إلى تشكيل برلمان، والنزعة التوفيقية، بدلاً من التفكير بتدبير الخبز اليومي للناس. وبالتالي فإن الثوري الراديكالي العدمي بازاروف يفرض نفسه كشخص واقعي في مواجهة ميوعة الآباء الحالمين الذين لا يغيرون شيئاً في الواقع. وأما الآباء فراحوا يشتكون من هؤلاء الأبناء المتمردين الذين يرمون بأنفسهم في أتّون الممارسة العنيفة وخضم العمل الثوري الانقلابي. كانوا يقفون مكتوفي الأيدي أمام هذه الحالة ويبكون حظهم العاثر لأن أبناءهم أفلتوا من أيديهم بل وأصبحوا يعتبرونهم عالة عليهم، وكأن عهدهم قد انتهى. ومع ذلك فإن هؤلاء الآباء كانوا يعتقدون بأنهم قد ناضلوا سابقاً من أجل العدالة والمثل العليا. وما كانوا مستعدين لأن يتنكروا لشغفهم القديم بالفن والشعر. بل حاولوا أن يجعلوا أبناءهم يشاركونهم أذواقهم وأفكارهم ومشاعرهم. ولكن الأبناء كانوا يرفضون ذلك بقوة، لأنهم يحتقرون كل أدب غير ملتزم، أو غير فعّال ومناضل. فوحده الانخراط السياسي المباشر كان مهماً بالنسبة إليهم. وهكذا حصل خلاف فني بالإضافة إلى الخلاف الإيديولوجي. وما كانوا يتورعون إطلاقا عن اللجوء إلى العنف والقوة من أجل فرض عقيدتهم السياسية. وهكذا خيّم سوء التفاهم بشكل كامل على العلاقات بين جيل الآباء، وجيل الأبناء. ولم يعودوا يفهمون بعضهم بعضا.يحق لنا أن نطرح هنا هذا التساؤل: ألم يصور تورغنيف في هذه الرواية مصير روسيا المقبل لمدة قرن ونصف القرن؟ فجيل الآباء الليبرالي هزم أمام الجيل الشيوعي (أو العدمي بحسب تعبير تورغنيف) لمدة مائة وخمسين سنة. ثم عاد للانتصار من جديد على يد غورباتشيف ويلتسين بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وسقوط الشيوعية عام 1990. ينبغي أن نعلم أن الرواية نشرت لأول مرة عام 1862، أي قبل ظهور لينين وانتصار الشيوعية بخمسين سنة على الأقل. ولكن الروائي بحسه المرهف ورؤياه المستقبلية وضع يده على جوهر الصراع الروسي. فهناك من جهة فئة الليبراليين التي تريد إدخال الإصلاحات بشكل تدريجي إلى البلاد دون تدمير الدين والتقاليد بطريقة عدمية لا مسؤولة. إنها ترفض إعدام الماضي وكأنه لم يكن. وهناك فئة المراهقين الثوريين الذين يريدون حرق المراحل وتغيير المجتمع بالقوة حتى ولو عن طريق البطش والإرهاب. وكل تاريخ روسيا الحديث ما هو إلا ثمرة الصراع بين هذين التيارين الكبيرين. كم تعبت روسيا وكم دفعت الثمن باهظا من جراء هذه المعارك المدمرة بين التيار الإصلاحي المعتدل والتيار الثوري الراديكالي؟ بل وحتى الآن ألا نرى أنها لا تزال متخبطة لا تعرف كيف تحسم مصيرها؟ قدم في الديمقراطية وقدم في الديكتاتورية.أنظر بوتين.. فتارة تسلّم قيادها لحزب الشيوعيين، وتارة لحزب الليبراليين. تارة تعطي نفسها للملحدين العدميين، وتارة تعطي قلبها وعقلها للمؤمنين الأرثوذكسيين أو الليبراليين العلمانيين... هذه هي روسيا، هذا هو تاريخ روسيا كله ملخَّصاً في رواية واحدة. لقد تنبأ به كاتب كبير حتى قبل أن يحصل أو أن يكتمل حصولا. وهنا تكمن عبقرية الأدب. ليس غريباً، والحالة هذه، أن تكون رواية "الآباء والبنون" قد رفعت تورغنيف إلى المرتبة العليا للآداب الروسية.والآن نطرح هذا السؤال: ماذا كانت ردود الفعل على الكتاب وقت صدوره؟ لقد هزَّ الرأي العام المثقف في العمق. ولكن القراء والنقاد نسوا الطابع الفني للرواية ولم يعودوا يهتمون إلا بمضمونها الفكري أو الإيديولوجي. كان تورغنيف متعاطفاً مع بطل قصته المتمرد. وكاد أن يبكي وهو يصف لحظة موته أو احتضاره في الرواية. وقد صرح فيما بعد للصحفيين بأنه يشاطر بازاروف كل أفكاره ما عدا تلك المتعلقة بالفن. وعلى الرغم من ذلك فإن اليساريين الروس انقضوا عليه انقضاضاً رهيباً واتهموه بالرجعية وتأييد الإقطاع. لقد اتهموه بالانتصار لجيل الآباء. نقول ذلك وبخاصة أنه هو ذاته كان من كبار النبلاء والملاّكين الروس. وقالوا عنه بأنه لم يفعل إلا أن دافع عن امتيازاته ومصالحه. وهكذا انصرف جيل الشباب عنه. وراحوا يشتمونه في مجالسهم واجتماعاتهم. بل وراحوا يحرقون صوره. وربما هذا ما دفعه إلى مغادرة روسيا نهائيا. يقول تورغنييف: لقد لاحظت نوعاً من البرودة، بل وحتى الحقد تجاهي لدى أشخاص كانوا مقربين مني، وذلك بعد صدور الرواية. وأما الأشخاص الذين كانوا يقفون في المعسكر المضاد لي، أي المعسكر التقليدي، فراحوا يقبلونني ويهنؤونني. وقد جرحني ذلك، فأنا لم أتخلّ عن معسكر الحرية والتقدم. فقط أردت أن أصور الواقع الروسي كما هو، أو كما يبدو لي دون زيادة أو نقصان... وعلى أي حال فقد ظل ضميري مرتاحاً.لا أعرف لماذا أشعر بانسجام عميق وألفة كبيرة عندما أغطس في نصوص أدباء روسيا ومشاكلهم وقضاياهم. لا أعرف لماذا أشعر وكأني في بيتي وهمومي ومشاكلي..هل لأننا نحن العرب نعيش نفس الحالة التاريخية، أقصد نفس التذبذب، أو نفس الحيرة والضياع والتمزق بين الماضي والحاضر، بين الغرب والشرق، بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة؟ بدون شك. نحن أيضا لم نحسم أمورنا بعد، نحن أيضا ندفع ثمن العبور التاريخي الكبير، ثمن الماضي الذي لا يمضي والحاضر الذي لا يجيء. نحن أيضا لم نتوصل بعد إلى إيجاد تلك الحلقة المفرغة، إلى تحقيق تلك المعادلة المستحيلة التي توفق بين تراثنا العربي الإسلامي والحداثة العالمية. في الواقع أننا كالروس أصحاب تراث عريق، تراث طويل عريض يستعصي على الانسحاق أمام الحداثة الغربية كما تفعل الأمم الأخرى التي لا تراث عظيما لديها. لهذا السبب فان قصتنا طويلة وعذابنا كبير. ولهذا السبب فإننا ننقسم عادة إلى قسمين كبيرين كمثقفي روسيا: قسم يريد الالتحاق بالغرب بأي شكل ويخجل بدينه وتراثه، وقسم يرفض ذلك رفضا قاطعا مفتخرا بدينه وتراثه وزاهدا بهذه الحضارة الفاسدة المفسدة...قد أكون أقدم كاريكاتيرا هنا عن كلا الموقفين.. ولكن ألا يمكن القول بان هناك قسما ثالثا هو الأكبر والأكثر عددا: قصدت أولئك الذين يريدون المحافظة على شخصيتهم التاريخية في الوقت الذي يفتحون فيه قلوبهم وعقولهم على مصراعيها لكي تستقبل الوافد الجديد؟ كان دوستيوفسكي قد عبر عن ذلك أفضل تعبير في خطابه الشهير أمام تمثال بوشكين وبحضرة كبار أدباء روسيا وشخصياتها. وكان خطاب الوداع الأخير..أللهم قد بلغت! وفيه عرف كيف يجد صلة الوصل بين الكونية والخصوصية، بين المحلية والعالمية بطريقة ناجحة وموفقة. عندئذ عرف كيف يجد تلك الحلقة المفرغة، الحلقة الضائعة التي يبحث عنها الجميع دون أن يجدوها. عندئذ حسم المسألة مرة واحدة وإلى الأبد. وقد أبكى الجميع عندئذ بمن فيهم عدوه اللدود تورغنيف الذي هجم عليه لكي يقبله ويعترف بعبقريته التي لا تقاوم. لكن العلاقة بين الرجلين لم تكن دائما هكذا في الواقع. فقبل ذلك حصلت بينهما أشياء وأشياء...وقد أن الأوان بعد إن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة إلى طرح السؤال التالي:كيف كانت علاقات تورغنيف مع تولستوي ودوستويفسكي منافسيه على عرش الآداب الروسية؟ لا نستطيع هنا الإجابة على سؤال واسع كهذا، وإنما سوف نكتفي بالتلميح لعلاقته مع دوستويفسكي. في الواقع إنها كانت متقلبة، غامضة، معقدة. فبقدر ما كان تورغنيف سيداً أرستقراطياً مرفهاً لم يعرف الحاجة المادية في حياته أبداً، كان دوستويفسكي فقيراً، معذباً، معقداً نفسياً، يركض وراء لقمة العيش باستمرار.وبقدر ما كان تورغنيف معجباً بأوروبا الغربية وراغباً في أن تلحق روسيا بها بأي شكل، كان دستويفسكي معتزاً بسلافيته ومتمسكاً بمذهبه المسيحي الأرثوذكسي أو قل بالروحانية الدينية، دون أن يعني ذلك أنه لم يكن معجباً ببعض إنجازات الحضارة الأوروبية. وقد حصل اللقاء الأول بينهما في مدينة "بادن بادن" بألمانيا حيث كان يقيم تورغنيف في فيلا تشبه القصر المنيف. ثم كتب دستويفسكي لأصدقائه هذه الرسالة بعد اللقاء: لقد قال لي بأنه ملحد بالكامل وهو يفتخر بذلك متبجحا. و لكن لماذا يكون ملحداً إذا كان الله قد أعطانا الصورة الكاملة والخالدة للإنسان متجسدةً بالسيد المسيح؟ وماذا نتج عن هؤلاء الملاحدة من أمثال تورغنيف، وهيرزن، وأوتين، وتشيرنشفسكي، الخ... إنهم جميعاً متكبرون، صلفون، متعجرفون... ماذا يأملون؟ ومن سيتّبعهم في روسيا؟ إنهم واهمون. وما يزعجني أكثر لدى تورغنيف هو احتقاره لروسيا بحجة أنها متخلفة عن أوروبا. انه يخجل ببلاده أمام الأوروبيين. وقد قال لي بالحرف الواحد: ينبغي أن نتبع الألمان ونزحف وراءهم زحفا لأنه لا يوجد إلا خط واحد لجميع الشعوب هو: خط الحضارة. والحضارة الآن هي أوروبية ولا شيء غيرها. وبالتالي فإن من يدعون إلى اتباع خط الأصالة الروسية هم أغبياء ليس إلا. وقال لي بأنه يكتب مقالة كبيرة عن عَبَدة الأصالة الروسية والأصالة السلافية لكي يكشف عن نواقصهم وأخطائهم. وهكذا اكتشفت بأنه خائن لروسيا ويزحف أمام الألمان كالعبد الذليل. لا أستطيع أن أتحمل هذا الشخص أبداً...انتهت رسالة دوستيوفسكي.لكن ماذا كان موقف تورغنيف من هذا الاتهام الخطير؟لقد رد عليه برسالة مضادة وشديدة العنف قائلاً: أولا أجد نفسي مضطراً للتصريح بما يلي: من غير المعقول أن أتحدث عن قناعاتي الحميمة عن روسيا والشعب الروسي أمام السيد دوستويفسكي لسبب بسيط: هو أني أعتبره شخصاً مريضاً... فبسبب الهزات النفسية التي تصيبه، وبسبب حالته المعيشية البائسة فإنه لا يتمتع بجميع ملكاته العقلية... وهذا ليس رأيي فقط، وإنما رأي الكثيرين من الناس.ينبغي العلم بأني لم أر السيد دوستويفسكي في حياتي إلا مرة واحدة عندما زارني في بيتي وأخذ يشتم بالألمان وبي وبكتابي لمدة ساعة كاملة ثم انصرف. هذا كل ما حصل. ولم أرد عليه أبداً لأني أعتبره كما قلت لكم شخصاً مريضاً بالفعل...هكذا نجد أن المعارك الفكرية لا تحصل فقط بين المثقفين العرب وتنحدر إلى أدنى مستوى، وإنما تحصل أيضا بين المثقفين الروس وكذلك الفرنسيين وغيرهم. ولا تستخدم فيها فقط الكلمات المهذبة وإنما كافة الأسلحة من مشروعة وغير مشروعة. فتورغنيف لم يتوان عن الإشارة إلى المشاكل النفسية لدستويفسكي من أجل أن يسدّد له ضربة قاضية. ومعلوم أن الإشاعات حول هذه النقطة كانت رائجة ومنتشرة جدا آنذاك. بل وكان هناك أناس مختصون فيها ويغذونها باستمرار.. ولكن يبدو أنه نسي كلمة فرويد الشهيرة أو قل لم يعش بما فيه الكفاية لكي يسمعها: قد تجد في دوستيوفسكي "الشخص" كل عقد الأرض ومشاكلها. ولكن أمام دوستيوفسكي الكاتب أو الفنان لا تملك إلا أن تفعل شيئا واحدا: أن تركع وتنحني!
http://www.alawan.info

الثلاثاء، 13 مايو 2008

نوافذ النوافذ للأديب جمال الغيطاني


لذة الكشف فى (نوافذ النوافذ) للأديب جمال الغيطانى

محمد سمير عبد السلام
02 يوليو 2007
نزعات الاكتشاف الأولى للذات، والعالم ، تنمو فى فضاء الرؤية والشىء المدرك معاً – فى رواية “نوافذ النوافذ” للأديب الأستاذ/ جمال الغيطانى الصادرة عن دار الهلال بمصر 2004م- فالراوى هنا يقيم رؤية للعالم والتاريخ الإنسانى وفق عنصر رمزى، هو (النافذة) وما يتبع هذا العنصر من تحليلات مجازية للوجود الواقعى فى ذاته فالنافذة هى الغطاء المصاحب لتفرد علامات الذات والكون جميعاً، إذ يستحيل التفرد، دون أن تحمل العلامة مدلول النافذة. أما (النافذة) فقد تؤدى إلى الظهور، أو تأجيل عملية الكشف برمتها، إذ إنها فضاء للاحتواء وللفراغ، لأنها سرمدية، وبلا مدلول أحادى، كما تحمل تناقضات الظواهر فى تكوينها الملتبس بين (الأطر والفراغ). إن السارد أيضاً- يقف خلف النافذة ليعاينها فى ذاته فيقف مندهشاً دون أن يدرك سر هذه الدهشة، كأنه يمارس لذة الكشف دون أن يصل إلى الكشف ذاته. تقبع النافذة- إذاً- داخل منظور الذات (العاكس) لتفرد الظواهر والاحتجاب الكامن فيها أيضاً، إذ ليست النافذة مركزاً أحادياً للإدراك، ولكنها عنصر التفرد المؤدى إلى نوافذ وعناصر غير مرئية أخرى فى الذات وعالم الموضوعات. لقد شكلت (النافذة) عالماً من الشخوص والبيوت والممارسات اليومية التى استولت على عقل الأم (المنعزلة)، دون أن تنخرط فيها. إنها الطاقة التى تحقق ممارسة وجودية- فى المتخيل- لأكثر من حدث بسيط فى وقت واحد عن طريق الآخر، فصور الحب تتحقق عبر إشارات فادية وفتحى. أما شتائم المرأة الحلبية وحركاتها تؤسس لأحداث تمثيلية أخرى فى وعى الأم. هكذا كانت النوافذ الأولى مصدراً للرؤية والممارسة وإعادة رسم الآخر فى وعى السارد وأمه.وتعلو نوازع التحام الذات اللاواعية بالنوافذ فى (نوافذ الفزعات) فنظرات أم نبيل هادئة وغامضة ومقطوعة عن الجسد الواقعى فى لاوعى البطل، كما تحمل دلالات التحول الأسطورى أو المسخ إلى حجر أو كلب أعرج. هل كانت نظرة أم نبيل مقطوعة عن هيكلها الحجرى الثابت؟ أم أنها سر غموض الحجر كظاهرة فريدة؟ لقد استدعى هذا التداخل عند البطل – الامتزاج الكونى الأول واختلاط العناصر وتحللها قبل أن يضعها العقل فى قوالب ومسميات. تثير نظرات أم نبيل أيضاً، ذلك الغموض المصاحب للتقديس البدائى للطوطم أو زعيم القبيلة أو الكاهن، تلك الهيمنة الأسرة للذات وحدودها الزمكانية الضئيلة أمام السر الكونى.أما المنزل الخرب فذو هيئة ذكورية حزينة صامتة، من احتلال الفراغ لأجزائه. هل هو الغضب الأسطورى القديم؟ أم أنه أسطورة الفراغ وامتلائه بالأعين والنوافذ غير المرئية؟ ألم يشعر البطل- أمامه- بأنه مراقب ومهدد؟. هكذا تخفى النوافذ كوامن اللاوعى فى الواقع، بينما تظهرها فى عقل البطل. ألم تخرج النار من حدودها وتلتهم الشيخ على الجرجاوى فى حادث أسطورى؟ كأنها خارجة للتو من أحلام البطل؟ إننا هنا أمام اختفاء مراوغ للظواهر خلف النوافذ. فدائماً ما يخشى البطل من أن يقع ضمن ما تحتويه نوافذ الظواهر والأشياء مثل عينى أم نبيل والمنزل المنهدم وتمرد النار، فهذا يعنى أنه فى موقع الضحية وما تحمله من دلالات القداسة والقتل فى وقت واحد. ويرى بهذا الصدد (رينيه جيرار) أنه بدون التحويل المصاحب للقتل، تفقد الضحية فاعليتها، أو قداستها، كما يشير إلى قابليتها للاستبدال بين البشر والحيوانات. (راجع- رينيه جيرار- العنف والمقدس- د.ت/ جهاد هوامش وعبد الهادى عباس/ دار الحصاد بسوريا سنة 1992م).ولكن المؤلف يضيف دلالات جديدة بخصوص من يمكنه القيام بالتضحية وفق عنصر النافذة المتخيل، ألا وهو الظواهر الحية للوجود. وقد يشكك السارد فى الصدق الموضوعى المصاحب لروايته عن حادث غرق قد رآه من استراحة فى مدينة المنيا، فالأهم من معايير الصدق، ذلك التشكيل الفنى والوجودى للصورة واستدعائها لأنين الضحية وعذابها، للخوف اللاإرادى من لا نهائية العمق فى المياه، وندائها الخفى.وتستيقظ الحواس فى نوافذ (الرغبة) لتعيد بناء ما هو مرئى أو مسموع فى المتخيل، لتعيد الذات تشكيل صورتها وفق الأطياف الصوتية والحركية المتولدة عن الحواس، فتصير جزءاً من منظومتها الخاصة دون تفكير فى المادة الأصلية أو الجسد. هل هو التساؤل حول الآخر؟ أما أننا نحيا دائماً بين الظواهر القابلة للتلاشى؟ لقد استقرت آهة صفية مقطوعة عن سياقها، وتاريخها الواقعى فى وعى البطل، وتطور بناؤها الجمالى ليصير مصدراً لإدراك الأنوثة فى العالم. أما إشارات (نوال) مع اكتمالها الجسدى، فقد قوبلت باحتجاب السارد وإغراقه فى النظر عبر النافذة، وكأن الفضاء يحرر الصورة من ارتباطها بقيود الجسد فى اتجاه حركة الحواس المنطلقة. لم يكن البطل يسعى لمعاينة التجربة إذن، ولكنه يستحضر دون كيشوت ومغامرات الفرسان ليعايشها بحواس جديدة وآثار لصور وأصوات تختلط إبداعياً بهذه المغامرات.وتصل الطاقة الذاتية المختلطة بالأثر إلى ذروتها عند الظهور المفاجئ للفتاة الراقصة أمام نافذة البطل، فدورانها السريع يستدعى التلاشى والعدم بداخله، أما حضورها المفاجئ أو تمركزها فى وعيه فيحقق فيه نشأة الكون ولذة الامتزاج، فتفجر الرغبة فى صورتها يعادل بناء الوعى الأول فى اكتشافه لحداثة العالم هل هى حاسته الفنية؟ وقد خرجت من إطارها الذاتى؟لقد تمددت طاقة الفتاة إلى الحد الذى أصبح السارد فيه طيفاً من أطياف الرقصة الكونية، أو نافذة مقطوعة عن المدرك وما تحتوية من ظواهر، إنها نافذة للحواس وحركتها الأسطورية لاغير.وفى (فوافذ السفر) يعيد البطل قراءة الأصل من خلال الظل أو الأثر المتولد عن حضور غامض يستعصى أبداً على التفسير، فانقطاع نظرة أبيه له أثناء سفره بالقطار، يوحى بتوحد مع الصورة كظاهرة لها وجود ناقص، وسريع التبديل، بينما يظل التواصل مع الأب عبثياً لأنه صامت. كما يقابل حماس الأيديولوجيا اليسارية، وما يصاحبها من حضور قوى للاسم أو التوقيع بظاهرة العصفور الأزرق الذى ينفلت من القوائم المعروفة وثوابت العقل واللغة. إنه يخرج الذات من السجن إلى انفتاح العالم كأنه نافذة للسماء، تسخر من أى أفكار قبلية لرؤية العالم.وتمتد الرؤى الذاتية للسارد فى اتجاه غير خطى للزمن أو التاريخ الشخصى بذاكرته فى (نوافذ الظهور) و (نوافذ الروح) إذ تصير الذات جزءاً من صور فنية وحضارية فريدة، فالسفر إلى صورة (رمسيس الثالث) فى (معبد هابو) يختلط بالتكرار الإبداعى لصورة الشمس، ويذكر باستدارة الوجود والعالم دون مراحل خطية ثابتة هل هو حضور البعث من ذاكرة تؤمن بالإبداع؟وفق منظور جديد للذات يمكن قراءة لوحات إدوارد هوبر أو صورة كلب يلهو بسمكة فى البر الغربى. فالذات هنا نافذة مفتوحة تحتوى عناصر اللهو خارج إطار العقل التقليدى، إنها مثل نوافذ (هوبر) الكبرى، الأقرب إلى انفتاح الفضاء والاتساع الممزوج بالوحدة والتأمل.هكذا ترتدى علاقة السارد بأبيه ثوباً فنياً من خلال شخصيات (هوبر) إذ يظل التوحد أو التواصل مع الآخر، يذكر أبداً بوحدة الإنسان فى مواجهة الظواهر، ففى إحدى لوحاته امرأة عجوز تمسك كتاباً وتتأمل تواجهها فتاة ترتدى لباس البحر وخلفهما النوافذ، كأن النوافذ لم تحقق الكشف، لأنها صامتة ولا تقوى على احتواء الآخر، وفى صمتها تكمن نوافذ أخرى لما تفتح خلف انفصال ظواهر الوجود، ووحدانيتها المتناقضة. وفى (نوافذ مؤدية) يتأمل السارد- نظرياً- الكون بوصفه مجموعة من النوافذ ونوافذ النوافذ إلى مالا نهاية، يصحب هذا التأمل حنين إلى التلاشى أو التوحد بالماء، إلى اختراق الفراغات المقدسة لنوافذ الوجود، حيث تخرج الذات من حدودها إلى الفضاء، وما فيه من صور تحيل إلى نوافذ أو العكس.
محمد سمير عبد السلام

الاثنين، 5 مايو 2008

الرواية قادمة لامحالة محمد صلاح العزب اخبار الادب 772-2008


الفرق بين الرواية الجديدة ونظيرتها القديمة كالفرق بين مروحة من ريش النعام تحملها جارية حبشية طازجة، وتكييف مركزي حديث يعمل بالريموت كنتروللا أحد يعلم علي وجه الدقة، إذا كانت الرواية هي الحقيقة، أم أنها تضع نقاطا يسير الواقع عليها مستسلما.. الرواية تسبق بخطوة، والكل يلهث خلفها، المشاة في الشوارع والقطارات السريعة، والطائرات المروحية، والساسة، وباعة اليانصيب، والإرهابيون، والحوت الأزرق، والزراف الاستوائي.. الرواية تنتشر، وتستمر، وتتوغل، تفرض سطوتها علي كل الفنون الأخري، فيتراجع الشعر في إذعان، ويتخلي المسرح عن صدارته، وتعلن القصة استسلامها، وتعقد السينما والفن التشكيلي والموسيقي مع الرواية اتفاقا بتبادل المنفعة، الرواية تسود، وتملي شروطها، تهدد، وتتوعد، تعطي وتمنع، ترضي وتغضب، ترفع أقواما وتخفض آخرين.في البدء كانت الرواية، الحكي سيد التاريخ.. التاريخ رواية لاتتمتع بحبكة مناسبة، كتبت علي عجل، تدهش أحيانا، وتؤلم كثيرا، التاريخ رواية جاهزة لتعذيب القراء، القراءة إجبارية، وليست هناك رفاهية لغلق الكتاب ووضعه في رف المكتبة.الرواية امرأة عجوز تحتفظ بحلاوة صوتها، تعاكس المراهقين في التليفون فقط، قليلون جدا رأوها وتعاملوا معها وجها لوجه، أثنوا علي خبرتها العريضة، وقدرتها الهائلة علي المراوغة والتهرب.
***
الرواية مترو أنفاق، بسائق واحد يقود آلاف البشر حيث يريد هو، برضاهم، له قضبان، لكن لا أحد يعلم محطته، لاتنزل إلا بعد أن تحصل علي متعتك كاملة، الفرصة لاتأتي كثيرا، هذا العرض لفترة محدودة.الفرق بين الرواية الجديدة ونظيرتها القديمة، كالفرق بين مروحة من ريش النعام تحملها جارية حبشية طازجة، وتكييف مركزي حديث يعمل بالريموت كنترول، كالفرق بين قدح من خلاصة الأعشاب البرية يمنح القوة ويرد الشباب، وكوب نسكافيه بلاك مصنوع بآلة تعمل بالعملات المعدنية.لا أحد يعلم علي وجه الدقة، هل يكتب الروائي روايته، أم تكتب الرواية عالمها الكامل، بما فيه كاتبها، وأوراقه، وأقلامه، ومنضدته، وكوب شايه.. كل أبطال الروائي حقيقيون أكثر منه، هم اخترعوه، واتفقوا فيما بينهم أن يلعبوا معه لعبة طريفة أعلموه بها: أنت تكتب ونحن نعيش، نأكل ونشرب ونتضاجع.. طالما اخترت الكتابة اكتب، ونحن سنحيا بدلا منك، حتي نخبرك بكل هذه المتع الموجودة في الحياة، لولانا ما كنت ستعرف شيئا.الروائيون فيما بينهم كتجار السوق الواحد، يريد كل منهم لسلعته الرواج، لكن حين تمطر السماء يبتلون جميعا، فيهرول كل إلي جاره، يجتمعون في بداية السوق وفي نهايته، أحص دراهمك، ومكاسبك، وزبائنك، الصيت ولا الغني، والرواية الطيبة صدقة.اقترب.. هنا باعة الكلام، الكلمة بأوقية من الذهب، والبائع خاسر، هنا باعة الحكايات حكايات محلية عجيبة، وأخري مستوردة من الهند، وثالثة جاءت من بلاد لاتعرف قيمة الحكايات، البائع خاسر.. وبين البائع والمشتري صك إذا أغلقاه فلن يفتحه الله رغما عنهما.
***
الكاتب مع قارئه كالصائغ الماهر مع زبوناته الجميلات. تعددت الأذواق والقرط واحد، والسوار واحد، والقلادة واحدة.. هذه ياسيدتي ستكون تحفة في رقبتك، وهذا سيأكل قطعة من معصمك الجميل، هل تحبين أن تجربي هذا ايضا، خذي هذا هدية عليه، نحن نفتح مبكرا، ونعمل طوال أيام الأسبوع، لانعترف بالعطلات، ننام قليلا، ونسهر من أجل راحة القراء، القاريء مع كاتبه، مثل صاحب البيت الذي لايعجبه سلوك المستأجرين، مثل حماة تتصيد أخطاء زوجة ابنها لتنهرها.. لماذا كتبت هذا الاهداء، ألا تعلم أن الروايات تكون أفضل كثيرا من دون اهداءات؟ هل الشخصية الرئيسية في الرواية تعبر عنك؟ ألم تجد مصيرا أفضل لبطلك من الموت في بداية الرواية؟ هل الأحداث التي ذكرتها في روايتك الأخيرة حقيقة؟الكاتب يكتب عن الحياة، تلك التي لايرضي عنها أحد، يكتب عن الأشجار المورقة، بالوعات المجاري، سيارات الأجرة، سلالم البنايات العالية، الظلام، الرصيف، البهجة، الشحاذين، فتيات المحلات الفقيرة، عن المقاهي، زنا المحارم، الأنهار، العطارين، الجامعات، أمراض القلب، الحشرات، الشيزوفرينيا، المطاعم، الجبال، الأصدقاء، فتيات الليل، الشقق الكئيبة، المخدرات، الشاي، السجون، القبعات، الكاتب يكتب عن كل الأشياء التي يكرهها القاريء، وفي النهاية يطلب منه تعاطفا ما، رغم أن التعاطف وحده ليس كافيا.
***
هل يمكن أن يجمع العالم في وقت ما علي عدم قبول روايات جديدة، والتخلص من كل الروائيين دفعة واحدة، بجمعهم في طائرات تسقط مصادفة في المحيط الأطلنطي، أو بإجبارهم علي إحتساء عقار يعطب الخيال، أو بإطلاق عدد كبير من القراء خلفهم في حي سكني مزدحم، من يفز بروائي فهو ملك له، يفعل به ما يشاء إلا منحه فرصة كتابة رواية أخري؟ هل سيدرك العالم في وقت ما أن الروائيين هم سبب بلائه؟ لو لم أكن روائيا لوددت أن أكون روائيا، من هنا مثل الروائي؟ لاعب الكرة؟ الممثل الكبير؟ المطرب الأشهر؟ ألم يشكلهم الروائي بيديه؟ هو ابتكرهم ومنحهم الحياة، والشهرة، والمجد، والمال، لإضفاء جو أسطوري علي أحداث روايته، الروائي أشعل فتيل الحرب، ووضع الحدود بين الدول، ووزع الثروات الطبيعية بينها، تقمص دور فنان تشكيلي ولعب في ألوان البشرة، هذا شعب أشقر، وذاك أصفر، هذا يليق به السواد القاتم، وذاك ينفعه البياض، عيون خضراء وزرقاء وسوداء وبنية ورمادية، شعر أسود وأشقر وكستنائي وأحمر وأبيض، الروائي أعلن عن بدء اللعبة، لم يقل: كن، فقط أشار بإصبعه، وبدأ يكتب دون أن يحدد أبطاله أو خيوطه الرئيسية.لا أحد علي وجه الدقة يعلم، هل الرواية هي الحقيقة، أم انها كتاب لتفسير الاحلام، أو وصفة شعبية لعلاج أمراض الجسد والروح في آن واحد، رواية لنزلات البرد، وأخري لعلاج الصرع، وثالثة لسرطان الثدي، ورابعة للاكتئاب.. ممنوع صرف الدواء إلا بأمر الطبيب، ولدواعي الاستعمال انظر النشرة الداخلية.يحدث أن يكون الروائي سائرا بصحبة امرأة ما، ثم يتوقف فجأة وينزع ذراعه من ذراعها ليسأل نفسه: لماذا أكتب؟ يطول وقوفه، ربما يشعل سيجارة، أو يجلس علي أقرب مقعد، ليواصل التفكير، ويحدث أيضا أن يقرر الروائي كثيرا أن يكف عن هذا العبث ويتوقف عن الكتابة، ربما يبيع كتبه ومكتبته لأول بائع 'روبابيكيا' يمر، ويعيد تنظيم شقته، وحياته وأوراقه، لكن الروائي أول واحد يعلم أن هذا لن يستمر طويلا، الرواية قادمة لامحالة.الروائيون في غرف مكاتبهم المغلقة المعبقة بالدخان، وفي أقبيتهم، ومقاهيهم، وغرف نومهم، يمتلكون قدرة هائلة علي البكاء، لايعرف السرد إلا من يكابده، ولا الرواية إلا من يمتلك القدرة علي الألم، لماذا تتألم أقل مادام بإمكانك التألم أكثر واخراج رواية جيدة.



الرواية بعد محفوظ.. العقوق الجميل لأبناء الجبلاوي

نائل الطوخي naeleltoukhy@yahoo.com الحوار المتمدن - العدد: 1725 - 2006 / 11 / 5
بعد نجيب محفوظ لم يثر الضجيج في الرواية المصرية إلا جيلان، الستينيات والتسعينيات، وعلي قدر ما حافظ الأول علي علاقة هشة مع محفوظ ومع كتابته علي قدر ما حاول الثاني قطع العلاقات بقوة، في النهاية، لم يبق مما يحمله الستينيون أو التسعينيون من اعجاب للرجل إلا وكان نابعا من النوستالجيا، الحنين لليبرالي الأخير الذي لم تلوثه الثورة، والنظر الي كتابته المبكرة كأنها نوع من كتابة انقرضت، وعدم التعاطف التام مع كتابته المتأخرة في نفس الوقت. برغم هذا لا يمكننا إلا أن نلمح في روايات الستينيات جذورا محفوظية واضحة، ولا يتعلق الأمر بتقسيم ساذج للروايات الي تاريخية وسياسية واجتماعية وانما يتعلق الأمر بحيل كتابية بدأ استخدامها ثم طورها من جاؤوا بعده، فقبله لم نشهد لتيار الوعي وجودا في أدبنا العربي، والآن يستخدمه الكثيرون ويصبح حيلة شائعة في الكتابة، وفي مجموعاته القصصية بدأ طريق العبث والذي استطاع صنع الله إبراهيم فيما بعد تطويره ليصبح سخرية ومحاكاة ساخرة لخطاب السلطة غير المعقول. بدأ محفوظ الرواية الفلسفية حيث أبطاله يبحثون عن المطلق مثل الله والحقيقة، لينمو هذا البحث في طريق الايمان المطلق بالأيديولوجيا عند فريق من الستينيين، وعند فريق آخر تفتت هذا البحث الي لحظات متناهية الصغر مثلما في كتابة إبراهيم أصلان حيث يحاول الرجل جهده ألا يسقط كوب الشاي منه في رواية وردية ليل مثلا وتدور حوارات فلسفية عبثية تماما بين أبطاله، أو يتطور حتي الي نفس البحث عن قيم أخري مشابهة مثل العدالة والحرية في مواجهة قيم قمعية مباشرة تقدمها السلطة كما في الزيني بركات أو في مواجهة شبكة أخطبوطية تدمر روح الانسان مثلما في حكايات المؤسسة لجمال الغيطاني.بمفهوم ما بدأ نجيب جنس الرواية وطوره ايضا. قبله لم يكن ثمة وجود للرواية بمعناها الفعلي، وكأنه لم يكتف بهذا بل استطاع التمرد علي نفسه عدة مرات، من الرواية التاريخية الي الاجتماعية الي الفلسفية، في كل هذا كان يتجه أكثر نحو داخل الانسان انتهاء بالأحلام داخل الداخل، ويقوم بمسيرة أخري. تبدأ الثلاثية بنفس رائق ليصف كل سكنة وكل لمحة في حياة أبطاله لتنتهي راكضة لاهثة، لتلاحق تطورات وانهيارات العائلة المصرية، ما بين الطريقين كان نجيب يصل بالرواية الي ذروته الخاصة، ولا يتقدم فيها، يضع دمه فقط علي أولها، ليترك الطريق لأبنائه وأحفاده فيواصلون. مثلا، لم يول اهتماما بالتفاصيل كعنصر بصري مثلما يفعل الكتاب الشباب الآن للتقريب بين عالم الرواية وعالم السينما، وانما اهتم بالتفاصيل من ناحية اخري، من ناحية أن أي أدب واقعي يجب أن يصف كل شيء. كل شيء ينبغي أن يكون مبررا، ولا مجال هنا للسهو، وفي مراحل تطوره اللاحقة سيبدأ نجيب في اهمال التفاصيل، سنجد زمن الباقي من الزمن ساعة أو حديث الصباح والمساء يسير لاهثا كما هو الزمن في ملفات الأرشيف بحيث يبدو أنه لا يخلق حياداً وانما سيراً ذاتية للبشر فحسب، هنا سيبدو أن الطريق الذي اختاره كان علي عكس طريق أبنائه تماما.ستتطور الرواية بعد نجيب، وهذه حقيقة من حقائق الزمن للأسف، لن يقف الزمن علي نجيب ولن تنتهي الرواية بموته مثلما حيت بحياته ولكن مع تحفظ بسيط لن تكون هي الرواية النجيبية بحال، ستختفي التشابهات بينها وبين روايات نجيب محفوظ الي حد أن يكون معذورا من يتصور أن جنس الرواية قد يختفي، من يتصور مثلا ان الرواية التي يكتبها مصطفي ذكري أو مي التلمساني قريبة بشكل من الأشكال الي زقاق المدق؟ هنا علي الأب الأكبر أن يسلم بعقوق أبنائه الجميل، وألا يحرمهم من اسمه في نفس الوقت، من اسم الرواية التي يكتبون في اطارها، تطورات كثيرة مرت بها الرواية المصرية والعربية، تطورات أدت بها الي أن تنكر أفرعها أصلها كما يتنكر أصلها من تفرعاتها المختلفة، قد يكون واجبا أخلاقيا أن نقول بأن الرواية العربية لن تموت بموت نجيب، واجبا في مقابل من تحركهم العقلية الأبوية في أقصي تجلياتها قسوة ليقولوا بأن الأب لم ينجب، وأنه بموته سينتهي عالمه عليه، فحتي الجبلاوي في رواية محفوظ أولاد حارتنا ، والتي فتحت الباب بعد ذلك للرواية الرمزية ولاستيحاء التراث المقدس مع نظرة علمانية كأساس للكتابة حتي الجبلاوي مات لتبدأ الرواية بموته وبحياة عرفت بدايته الحقيقية.