الفرق بين الرواية الجديدة ونظيرتها القديمة كالفرق بين مروحة من ريش النعام تحملها جارية حبشية طازجة، وتكييف مركزي حديث يعمل بالريموت كنتروللا أحد يعلم علي وجه الدقة، إذا كانت الرواية هي الحقيقة، أم أنها تضع نقاطا يسير الواقع عليها مستسلما.. الرواية تسبق بخطوة، والكل يلهث خلفها، المشاة في الشوارع والقطارات السريعة، والطائرات المروحية، والساسة، وباعة اليانصيب، والإرهابيون، والحوت الأزرق، والزراف الاستوائي.. الرواية تنتشر، وتستمر، وتتوغل، تفرض سطوتها علي كل الفنون الأخري، فيتراجع الشعر في إذعان، ويتخلي المسرح عن صدارته، وتعلن القصة استسلامها، وتعقد السينما والفن التشكيلي والموسيقي مع الرواية اتفاقا بتبادل المنفعة، الرواية تسود، وتملي شروطها، تهدد، وتتوعد، تعطي وتمنع، ترضي وتغضب، ترفع أقواما وتخفض آخرين.في البدء كانت الرواية، الحكي سيد التاريخ.. التاريخ رواية لاتتمتع بحبكة مناسبة، كتبت علي عجل، تدهش أحيانا، وتؤلم كثيرا، التاريخ رواية جاهزة لتعذيب القراء، القراءة إجبارية، وليست هناك رفاهية لغلق الكتاب ووضعه في رف المكتبة.الرواية امرأة عجوز تحتفظ بحلاوة صوتها، تعاكس المراهقين في التليفون فقط، قليلون جدا رأوها وتعاملوا معها وجها لوجه، أثنوا علي خبرتها العريضة، وقدرتها الهائلة علي المراوغة والتهرب.
***
الرواية مترو أنفاق، بسائق واحد يقود آلاف البشر حيث يريد هو، برضاهم، له قضبان، لكن لا أحد يعلم محطته، لاتنزل إلا بعد أن تحصل علي متعتك كاملة، الفرصة لاتأتي كثيرا، هذا العرض لفترة محدودة.الفرق بين الرواية الجديدة ونظيرتها القديمة، كالفرق بين مروحة من ريش النعام تحملها جارية حبشية طازجة، وتكييف مركزي حديث يعمل بالريموت كنترول، كالفرق بين قدح من خلاصة الأعشاب البرية يمنح القوة ويرد الشباب، وكوب نسكافيه بلاك مصنوع بآلة تعمل بالعملات المعدنية.لا أحد يعلم علي وجه الدقة، هل يكتب الروائي روايته، أم تكتب الرواية عالمها الكامل، بما فيه كاتبها، وأوراقه، وأقلامه، ومنضدته، وكوب شايه.. كل أبطال الروائي حقيقيون أكثر منه، هم اخترعوه، واتفقوا فيما بينهم أن يلعبوا معه لعبة طريفة أعلموه بها: أنت تكتب ونحن نعيش، نأكل ونشرب ونتضاجع.. طالما اخترت الكتابة اكتب، ونحن سنحيا بدلا منك، حتي نخبرك بكل هذه المتع الموجودة في الحياة، لولانا ما كنت ستعرف شيئا.الروائيون فيما بينهم كتجار السوق الواحد، يريد كل منهم لسلعته الرواج، لكن حين تمطر السماء يبتلون جميعا، فيهرول كل إلي جاره، يجتمعون في بداية السوق وفي نهايته، أحص دراهمك، ومكاسبك، وزبائنك، الصيت ولا الغني، والرواية الطيبة صدقة.اقترب.. هنا باعة الكلام، الكلمة بأوقية من الذهب، والبائع خاسر، هنا باعة الحكايات حكايات محلية عجيبة، وأخري مستوردة من الهند، وثالثة جاءت من بلاد لاتعرف قيمة الحكايات، البائع خاسر.. وبين البائع والمشتري صك إذا أغلقاه فلن يفتحه الله رغما عنهما.
***
الكاتب مع قارئه كالصائغ الماهر مع زبوناته الجميلات. تعددت الأذواق والقرط واحد، والسوار واحد، والقلادة واحدة.. هذه ياسيدتي ستكون تحفة في رقبتك، وهذا سيأكل قطعة من معصمك الجميل، هل تحبين أن تجربي هذا ايضا، خذي هذا هدية عليه، نحن نفتح مبكرا، ونعمل طوال أيام الأسبوع، لانعترف بالعطلات، ننام قليلا، ونسهر من أجل راحة القراء، القاريء مع كاتبه، مثل صاحب البيت الذي لايعجبه سلوك المستأجرين، مثل حماة تتصيد أخطاء زوجة ابنها لتنهرها.. لماذا كتبت هذا الاهداء، ألا تعلم أن الروايات تكون أفضل كثيرا من دون اهداءات؟ هل الشخصية الرئيسية في الرواية تعبر عنك؟ ألم تجد مصيرا أفضل لبطلك من الموت في بداية الرواية؟ هل الأحداث التي ذكرتها في روايتك الأخيرة حقيقة؟الكاتب يكتب عن الحياة، تلك التي لايرضي عنها أحد، يكتب عن الأشجار المورقة، بالوعات المجاري، سيارات الأجرة، سلالم البنايات العالية، الظلام، الرصيف، البهجة، الشحاذين، فتيات المحلات الفقيرة، عن المقاهي، زنا المحارم، الأنهار، العطارين، الجامعات، أمراض القلب، الحشرات، الشيزوفرينيا، المطاعم، الجبال، الأصدقاء، فتيات الليل، الشقق الكئيبة، المخدرات، الشاي، السجون، القبعات، الكاتب يكتب عن كل الأشياء التي يكرهها القاريء، وفي النهاية يطلب منه تعاطفا ما، رغم أن التعاطف وحده ليس كافيا.
***
هل يمكن أن يجمع العالم في وقت ما علي عدم قبول روايات جديدة، والتخلص من كل الروائيين دفعة واحدة، بجمعهم في طائرات تسقط مصادفة في المحيط الأطلنطي، أو بإجبارهم علي إحتساء عقار يعطب الخيال، أو بإطلاق عدد كبير من القراء خلفهم في حي سكني مزدحم، من يفز بروائي فهو ملك له، يفعل به ما يشاء إلا منحه فرصة كتابة رواية أخري؟ هل سيدرك العالم في وقت ما أن الروائيين هم سبب بلائه؟ لو لم أكن روائيا لوددت أن أكون روائيا، من هنا مثل الروائي؟ لاعب الكرة؟ الممثل الكبير؟ المطرب الأشهر؟ ألم يشكلهم الروائي بيديه؟ هو ابتكرهم ومنحهم الحياة، والشهرة، والمجد، والمال، لإضفاء جو أسطوري علي أحداث روايته، الروائي أشعل فتيل الحرب، ووضع الحدود بين الدول، ووزع الثروات الطبيعية بينها، تقمص دور فنان تشكيلي ولعب في ألوان البشرة، هذا شعب أشقر، وذاك أصفر، هذا يليق به السواد القاتم، وذاك ينفعه البياض، عيون خضراء وزرقاء وسوداء وبنية ورمادية، شعر أسود وأشقر وكستنائي وأحمر وأبيض، الروائي أعلن عن بدء اللعبة، لم يقل: كن، فقط أشار بإصبعه، وبدأ يكتب دون أن يحدد أبطاله أو خيوطه الرئيسية.لا أحد علي وجه الدقة يعلم، هل الرواية هي الحقيقة، أم انها كتاب لتفسير الاحلام، أو وصفة شعبية لعلاج أمراض الجسد والروح في آن واحد، رواية لنزلات البرد، وأخري لعلاج الصرع، وثالثة لسرطان الثدي، ورابعة للاكتئاب.. ممنوع صرف الدواء إلا بأمر الطبيب، ولدواعي الاستعمال انظر النشرة الداخلية.يحدث أن يكون الروائي سائرا بصحبة امرأة ما، ثم يتوقف فجأة وينزع ذراعه من ذراعها ليسأل نفسه: لماذا أكتب؟ يطول وقوفه، ربما يشعل سيجارة، أو يجلس علي أقرب مقعد، ليواصل التفكير، ويحدث أيضا أن يقرر الروائي كثيرا أن يكف عن هذا العبث ويتوقف عن الكتابة، ربما يبيع كتبه ومكتبته لأول بائع 'روبابيكيا' يمر، ويعيد تنظيم شقته، وحياته وأوراقه، لكن الروائي أول واحد يعلم أن هذا لن يستمر طويلا، الرواية قادمة لامحالة.الروائيون في غرف مكاتبهم المغلقة المعبقة بالدخان، وفي أقبيتهم، ومقاهيهم، وغرف نومهم، يمتلكون قدرة هائلة علي البكاء، لايعرف السرد إلا من يكابده، ولا الرواية إلا من يمتلك القدرة علي الألم، لماذا تتألم أقل مادام بإمكانك التألم أكثر واخراج رواية جيدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق