العدد
27/06/2008
العدد
11034
تزفيتان تودوروف في كتابه «الأدب في خطر» النظريــة قبــل النــص
شوقي بزيع
كتاب الناقد وعالم اللسانيات البلغاري المعروف تزفيتان تودوروف «الأدب في خطر» لا يمكن أن ينظر إليه بوصفه كتاباً في السيرة ولا بوصفه كتاباً في نظرية الأدب أو طرائق تدريسه ولا بوصفه كتاباً في التذوق الأدبي والجماليات. ولكنه مع ذلك، ورغم كونه لا يتجاوز الصفحات الستين، يأخذ من كل هذه العناصر بمقدار، ويبدو أقرب الى الكشكول المعرفي الذي تتقاطع داخله السيرة الشخصية مع الشجون المختلفة المتصلة بتعريف الأدب وإشكاليات النقد الأدبي المعاصر، والأسباب التي تدفع طلاب الجامعات والمدارس، الفرنسية بوجه خاص، الى مجافاة النصوص الأدبية وعدم تذوقها. ولربما كان عنوان الكتاب مستوحى بشكل أساسي من هذه الإشكاليات التي تحرم الأدب من جاذبيته الجوهرية ومتعته الأبرز وتوقعه في شيك النظريات المعقدة والتناول الشكلي. في الفصل التمهيدي لكتابه «الأدب في خطر» يتحدث تودوروف عن طفولته في بلغاريا وعن ولادته في منزل مكتظ بالكتب والمصنفات، حيث كان والداه قيّمين على إحدى المكتبات العامة. ويروي كيف استطاع وهو لما يزل في الثامنة من عمره أن يقرأ على ركبتي جده رواية بكاملها تتجاوز صفحاتها المئتين والثلاثين. أما إشارته الى محاولته المتعددة لكتابة بعض القصائد التي وصفها بالرديئة ومن ثم الى كتابة مسرحية لم تكتمل ورواية لم يتجاوز ما كتبه منها الصفحة الواحدة، فلا تدل على تواضعه الجم فحسب، بل على اعتراف ضمني منه بأن النقاد الكبار قد لا يكونون في بادئ أمرهم سوى مبدعين فاشلين، رغم بعض الاستثناءات القليلة التي لا تكسر القاعدة. ولا يغفل تودوروف في معرض حديثه عن دراسته الأدبية في جامعة صوفيا الاشارة الى أن الأعمال الأدبية في بلغاريا الشيوعية كانت تقاس بمقياس الايديولوجيا المحضة أو بتوافقها مع العقيدة الماركسية اللينينية. وغالبا ما كانت هذه الاعمال تنقد بمرارة من الأساتذة، ويشار الى مؤلفيها باللوم والتقريع بسبب ميوعة مواقفهم من قضايا الثورة والنضال والطبقات المحرومة. والطريف في الأمر أن تودوروف اختار في دراسته علوم اللسانيات وجماليات النص لأنها ليست ذات حمولة ايديولوجية واضحة، بحيث يمكنه بواسطتها أن يتفادى الاصطدام بالمؤسسة التربوية الرسمية وما تفرضه من رؤى جامدة وجاهزة لمعنى الأدب ودوره. إلا أن الكوة التي افتتحت في ذلك «الستار الحديدي» المغلق تمثلت في حصول المؤلف على منحة الى فرنسا لإكمال تخصصه الدراسي. ولما كانت مدة المنحة لا تتجاوز السنة الواحدة، فقد حاول خلالها أن يلتهم كل ما تضمّه مكتبات باريس الضخمة من كتب ومراجع وأمهات، قبل أن يقرر البقاء في العاصمة الفرنسية التي اجتذبته الى أبعد الحدود باعتبارها مدينة كوزموبوليتية قابلة لاستيعاب كل من يفد إليها من بشر وأفكار وثقافات متباعدة. ومع ذلك فإن تودوروف لا يجد سهولة في العثور على ضالته المتمثلة في متابعة دراساته حول الاسلوب واللغة والنظرية الأدبية. وكان عليه ان يصطدم بالعديد من الاساتذة التقليديين، المأخوذين بتاريخ الأدب لا بالأدب نفسه، قبل أن يعرفه جيرار جينيت الى أحد الأساتذة الذين يديرون حلقة دراسية مميزة في جامعة السوربون، ولم يكف ذلك الاستاذ سوى رولان بارت نفسه الذي يضع حياة تودوروف برمتها أمام منعطف حاسم وجديد. نقد تدريس الادب قد تكون النقطة الأبرز في كتاب تودوروف متمثلة في نقده الجريء والمر للمؤسسة التعليمية الرسمية في فرنسا، ومن خلالها لسائر المؤسسات المعنية بتدريس الأدب. ففي المدارس الثانوية على سبيل المثال، تظهر برامج التدريس ان الهدف الاول للدراسات الأدبية هو «تكوين التفكير حول التاريخ الأدبي والثقافي، الأجناس الأدبية ومستويات الخطاب، تكوّن دلالة النصوص وخصوصيتها، الاستدلال وتأثير كل خطاب على متلقيه». وهو يعني ان الهدف الاول لتلك الدراسات هو تعريفنا بالأدوات التي تستخدمها تلك الدراسات لا بالنص الأدبي نفسه وما يحمله من معان ومضامين ودلالات اجتماعية وإنسانية. أي ان الطالب، وفق المؤلف، «لا يتعلم عماذا تتحدث الأعمال الأدبية، بل عماذا يتحدث النقاد أنفسهم». واذا كانت الغلبة اليوم، أي في تاريخ وضع الكتاب، هي للنظرة البنيوية للأدب، فإنها كانت قبل ذلك للنظرة التاريخانية التي تهتم بتمرحل الأدب وتطوره التاريخي. ولكن المشكلة لا تتغير في أي حال لان الدراسة تظل متعلقة بموضوع خارجي أو شكلاني ولا تقودنا الى معرفة القصدية النهائية والجوهرية للاعمال الأدبية ولا الى إيجاد المعنى الذي يتيح لنا فهماً أفضل للإنسان والعالم. لقد ظل النقد طوال قرن كامل خاضعا، وفق تودوروف، لهيمنة التاريخ الأدبي على التعليم الجامعي. أي الى دراسة الاسباب التي تفضي الى ظهور العمل الأدبي، والقوى الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يفترض أن النص الأدبي صادر عنها، ومن ثم دراسة تأثيرات النص على الجمهور أو على مؤلفين آخرين. أما بعد ذلك فقد أصبح العمل الأدبي معروضا باعتباره موضوعا لغوياً مغلقاً ومكتفياً بذاته. وهنا يتساءل تودوروف: ما جدوى دراسة الأدب اذا لم تكن سوى إيضاح للوسائل اللازمة لتحليله؟ وهو رداً على هذا الجنوح يرى أن من الاولى ان يعمد ذوو الشأن الى تدريس الأدب لا الى تدريس الدراسات المتعلقة به. كما يرى المؤلف ان التصوّر الشكلاني للأدب والطرائق الآلية لتوليد النص هي التي قادت من جهة اخرى الى الرؤية العدمية التي ترى أن الحياة هي طروء لكارثة مزمنة وان أشكال الدمار والعنف هي التي تفصح عن حقيقة الوضع البشري. وفي إطار هذه الرؤية، يتم في النصوص المكتوبة تسويق أدنى الانفعالات وأبشع المواقف وأتفه التجارب الجنسية، ما يؤدي في النهاية الى ظهور نوع من الأنانية المطلقة والانغلاق على الذات حتى لو كانت هذه الذات مدمرة ومجروحة في العمق. في الفصل المسمى «ماذا يستطيع الأدب؟» يعتبر تودوروف ان الأدب يستطيع أن «يمد لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب، ويقودنا نحو الكائنات البشرية الاخرى من حولنا ويجعلنا أفضل فهماً للعالم ويعيننا على أن نحيا. ليس لكونه تقنية لعلاج الروح فحسب بل لأنه، وهو كشف للعالم، يستطيع أن يحول كل منا من الداخل». ويرى تودوروف أن القارئ العادي الذي يستمر ضمن الاعمال التي يقرأها في البحث عن معنى لحياته هو على صواب ضد كل ادعاءات النقد الشكلاني أو العدمي، وإذا لم يكن كذلك فإن القراءة برمتها صائرة الى زوال. واذ يعمد المؤلف الى التفريق بين الأدب والفلسفة، يرى أن الاول يحملنا عبر الغناء أو السرد على ان نحيا تجارب فريدة، محاولا أن يصون ثراء العيش وتنوعه، بينما تعمل الثانية على معالجة مفاهيم نظرية خالصة وتنحو الى التجريد الذي يتيح لها صياغة قوانين عامة وشاملة. الحياة والفن يربط تودوروف أخيراً بين الجمال والحقيقة، معتبراً ان نظرية «الفن للفن» ليست في جوهرها منفصلة عن حقيقة ما قابعة في باطن النص وخفاياه، وهو ما يؤكد عليه بيت جون كتيس الشهير: «الجمال حقيقة، الحقيقة جمال». وحتى فلوبير الذي دافع بعناد عن استقلالية الأدب لا يغفل عن التذكير بشغفه بمعرفة العالم المسخرة من أجل الابداع، حيث الفن عنده هو الحقيقة ذاتها. وأوسكار وايلد، الممثل الآخر للمذهب الجمالي والذي يكثر بدوره من العبارات الحاسمة حول استقلالية الفن، يعود ليؤكد في مقولة جميلة له «بأن الحياة تحاكي الفن أكثر مما يحاكي الفن الحياة»، وهو ما تؤكده النماذج الروائية الفريدة في روايات بلزاك التي ما ان يخلفها حتى تدخل المجتمع المعاصر، ومنذئذ لا نكف عن معاشرتها. كأن وظيفة الفن العميقة هي ان يخلق انطلاقا من المادة الخام للوجود عالماً أكثر تميزاً وديمومة من العالم الذي تراه أعين البشر. على ان خلق هذا العالم، بحســــب تودوروف، يستلزم قبل كل شيء ان لا يقطع الأدب والفن صلتهما بالعالم الحقيقي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق