استطلاع: خلود الفلاح
روائيون: شخصيات الروائي ليست محض خيال
04/07/2008
يضع القارئ نظارته على عينيه ويهئ نفسه للقراءة ويبدأ في تقليب الصفحات وبعد مضي وقت يتفاعل مع الأحداث وقد يشتم رائحته بين السطور أو أصدقاء مروا من هنا ، وكلما قرأ المزيد عن كاتب العمل أو تعرف إليها شخصيا يبدأ في الربط بينه وبين شخصياته . ويتساءل هل الكتابة تستمد حياتها وتفاصيلها من خبرات الروائي ، من واقعه اليومي المعيش ، هل هذه الشخصيات لا ظلال لها في الواقع وهي محض خيال ، هل من الممكن أن تنشأ علاقة حب بين الروائي وشخصياته وهل هذه العلاقة تستمر أم تنتهي بمجرد خروج الرواية للقارئ ؟ وغيرها من التساؤلات التي قد لا يجد لها أجوبة مقنعة . ثم ما الذي يدفع القارئ إلى ذلك هل لان هناك كتابا أنانيين كما تقول الروائية أرونداتي روي وكتُاباً شديدي السخاء ، والكتُاب الأنانيون يتركونك لتعيش في حدود العمل بعد قراءتهم أما الكتُاب الأكثر سخاء فيتركونك لتعيش في حدود العالم الذي تنطلق منه تجاربهم الروائية ، أن استحضار صورة للعالم أو نقلها للآخرين تشبه كتابة رسالة الى من تحب . الرواية شخصية المكان _ الروائي الليبي سالم الهنداوي الكتابة الروائية نسيج اجتماعي بالدرجة الأولى، والكتابة الروائية الواقعية، أو التاريخية، هي هذا النسيج الذي يتفاعل بتفاصيله، في المكان، ومع الشخوص. وإذا كانت الحياة الاجتماعية العربية، في معظمها، تنغلق في استحياء، على استدعاء الشخصية الواقعية، كما تظهر في الحياة، فإن التراكمات المعرفية بحياة المجتمع وظهور شخصيات كاريكاتورية ، محبوبة أو منبوذة أو مقهورة، هي الوعاء الذاكري لأي مجتمع، والروائي يلجأ بالضرورة إلى شخصيات شعبية معروفة نشأت في ذاكرة المجتمع، أو إنه يصنعها من ذلك التأثير الذاكري الجمعي، لتكون الشخصية القريبة من المتلقي كما يستدعيها من ذاكرته الاجتماعية.عربياً يبدو هذا الاستنتاج واضحاً في العلاقة الناشئة بين الروائي وشخوصه في الرواية الاجتماعية والتاريخية. لكن عربياً أيضاً ظهرت شخصيات روائية متخيّلة، غير واقعية، وكان حضورها، في النص، أقرب إلى المتلقي من الشخصية الواقعية الحقيقية. وهذه الشخصية الملتبسة في الضمير الاجتماعي، هي بالضرورة جزء من ذاكرة جمعية التقت بظرفيها، في سياق حدث روائي، انصهرت في الفعل الجمعي، ضمن النسيج الاجتماعي العام الذي أنتج الكاتب وأنتج المتلقي، وأنتج معهما هذه الشخصية القريبة من ذاكرتهما معاً، وذائقتهما المشتركة.إذاً، فالروائي صانع الأحداث والأماكن والشخصيات، قد يمضي بنا في السرد ضمن علاقة قائمة في ذاكرة جمعية، معنية بالمكان، وبالتفاصيل، ومعنية بلغة السرد، كما هي معنية بشخصيات العمل وحضورها.في روايتي (الطاحونة) مثلاً، أحببت كل شخصياتي التي صنعتها من خيالي، وأعتبرها شخصيات واقعية، في ملامحها ومعاناتها وسلوكها الفطري والنمطي. كثيرون في الحياة يشبهون (العجوز الورَّاد) وكثيرون في الحياة يشبهون (خليل الملاَّح).. الحياة، هنا في ليبيا، أو في الشام، أو في أميركا اللاتينية، فيها ما هو مشترك، والخيال الذي يعمل على نسيج هذه الحياة المشتركة، في مشهدها الإنساني، قادر على اختيار عناصر البناء من الذاكرة الجمعية في المجتمع الإنساني. وقد يكون المكان، أو فضاء النص، هو من يرسم ملامح الشخصية، ويستدعي حضورها الاجتماعي.هناك أعمال روائية غاية في الفنتازيا، لا مكان لها في الوجود، لكنها في الذاكرة الجمعية هي جزء من تكويننا، ومن حقائق أحلام أكيدة تراودنا ونعيش أطيافها في مناماتنا، ونعرف بها وبتفاصيلها، برائحتها، وحرارتها، بسطوتها، بطقوس ليلها ونارها، وعبث شياطينها، وإنسانيتها. أماكن هي من وعينا بالخيال كجزء من واقعنا في الحياة، ومن وجودنا بأسره. هذا الشكل من الأعمال الروائية كتبته في (خرائط الفحم) وبشخصيات لا أثر لملامحها في الحياة، ولكنها جزء من وعينا بالخيال. شخصيات من أبطال أحلامنا وكوابيسنا، كان لي تجربة جميلة معها، وكانت حية في عملي، وطقوسية، فكان لها حضورها ووقعها المميَّز لدى المتلقي، رغم أنها ليست واقعية، ولا يمكن أن تكون كذلك. لقد استطعت في (خرائط الفحم) تشكيل علاقة من نوع خاص، علاقة من نسيج خيال عمل على المحسوس في الذاكرة الشعبية، التي تغذت على الأسطورة في الحكايات والأمثال، وهذه العلاقة كانت من نتاج ذاكرة جمعية إنسانية، أنا جزء منها، بل وحاضر فيها بوعيي بهذا الوجود وغرائبه، وبالتالي فهي نتاج بشري فاعل في العقل، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. نحن والأحلام نقيم في حياة واحدة، نسكنها كما هي تسكننا. الأحلام لا نصنعها بمحض إرادتنا، وكذلك الحياة تملكنا ولا نملكها، نحن نعيش الحياة بواقعنا فيها، وبمحيط علاقاتنا الاجتماعية، تعنينا ونعنيها في المُطلق، لكننا لا نملكها.. وهي ذات العبث والموت. وإذا كنا في أعمالنا الروائية قد أنتجنا الواقع بشخصيات حقيقية وواقعية، فإننا مع العبث ننتج شخوصاً غير واقعية، لكنها حقيقية، وجزء من هذه الحياة المشتركة، ولبوساتها بين الكائن والممكن، بين الواقع والحُلم.مع اختلاف الذائقة الجمالية للمتلقي، تختلف أنماط السرديات في الرواية الإنسانية. نحن العرب مثلاً، وبتأثير الحكائي في موروثنا الاجتماعي والثقافي، لم نستطع بعد تحقيق التنوع الروائي الجرئ الذي يكشف عن مهارة ذات الروائي في علاقته بالوجود. عدد قليل فقط من الروائيين استطاع الاقتراب من هذه المنطقة الساحرة من الإبداع الإنساني الذي يؤكد على خصوصية التجربة الفردية وقدرتها على صُنع عالم آخر، متخيَّل، متكامل وخاص. والرواية بهذا المعنى فعل وجود، وليست فعلاً في الوجود.وترفض الروائية الأردنية سميحة خريس فكرة ان تكون شخصيات الروائي محض خيال إنما هي شخصيات لها جذور في الواقع .شخصيات الروائي لا يمكن أن تكون خيال خالص ، كما أنها ليست صورة فوتوغرافية دقيقة لبشر بعينهم ، نستعير ملامح البشر ممن حولنا ممن نعرف ، ممن نظن ونعتقد أنهم على هذا النحو ونعيد تفاصيل هذه الملامح وفق رؤانا الخاصة وما يحلو لنا . يحدث أن ندمج بين شخصيات نعرفها وبين إحداث وقعت لشخصيات أخرى حتى عندما نخترع فنحن نستخرج من داخلنا من نعرف وما نتوقعه وبالطبع تصبح هذه الشخصيات لصيقة بالكاتب ، يتفاعل معها وتصبح جزء من حياته ، تشاركه يومه وليله وأحلامه ، بل تصبح أكثر حضوراً من كل ما يحيط به ، لكنها بمجرد ان تُكتب تبتعد وتتهيأ الفرصة لظهور عوالم جديدة و شخصيات أخرى . ويتفق الروائي الليبي خليفة حسين مصطفى مع الروائية سميحة خريس حيث يرى ان شخصيات الروائي هي في الغالب شخصية متخيلة ولكن لابد ان يكون لها جذور في الواقع ويضيف أحياناً نقابل شخصاً لمدة عشر دقائق ومع ذلك فانه يترك أثرا في النفس بحيث انه يمكن ان يتحول إلى إحدى شخصيات الرواية .و أضرب المثل على ذلك بشخصيات رواية " ليالي نجمة " فنجمة امرأة حقيقية وليس متخيلة ومع ذلك لم أتناولها كما هي إذ لابد من إضافات وإثراء للشخصية فتبدو في النهاية وكأنها شخصية متخيلة ، وفي مذكرات عدد من الكتُاب نجدهم يتحدثون عن شخصياتهم الروائية فنكتشف ان لها ظل في الواقع وليس متخيلة مائة في المائة .وبهذا يمكن القول ان الشخصية الروائية شخصية واقعية و متخيلة في نفس الوقت . الشخصية المحض خيالية أكثر شخصيات الروائي تعقيدا- الروائي التونسي كمال الرياحي . الشخصية الروائية شخصية مركبة ومعقدة تنطلق عادة بذرتها الأولى من الواقع ليقع تطعيمها بمناخات المتخيل ، بعضها يبقى واقعياً في صورته وبعضها الآخر يذهب بعيداً في التخييل حتى تتحول إلى شخصية عجائبية و سحرية . هذا حسب طبيعة الرواية ومن تم نصنف الروايات إلى روايات واقعية وأخرى عجائبية .آذان الروائي قد يستقي عوالمه بشكل عام وشخصياته بشكل خاص من المعيش و اليومي وقد تكون الشخصية محض خيال تام وهذه أكثر الشخصيات تعقيداً لأنها تنطلق في بناءها من فكرة شخصية وهذا ما قمت به في شخصية " المخاخ " برواية " المشرط " التي لا أصل لها في الواقع ولا يمكن ان نعثر على جينيات لها في اليومي .بعض الشخصيات الروائية تكون أصولها واقعية بشكل آخر أي أنها ليست من الواقع العيني إنما هي مشترحة من شخصيات أخرى ورقية أو خرافية أو أسطورية أو تاريخية ويمكن للروائي ان يستدعي شخصية تاريخية مثلاً يزرع فيها حياة جميلة و أفكار جديدة ويزج بها في مناخات لم تعشها لتؤسس حياة أخرى هي حياة الشخصية الروائية كمثال لذلك استدعاء شخصية " طارق بن زياد " عند " الرشيد بوجدرة " وأبن خلدون عند " سالم حميش المغربي ".يمكن للرواية أيضا ان تستدعي شخصية كاتب مشهور عندها تتقاطع الرواية مع فن السيرة مثل رواية مايكل كنهام " الساعات " التي تعيد كتابة سيرة الروائية الإنجليزية فيرجينيا وولف . للقراءة و التجربة الحياتية الأولوية في إمداد الروائي بشخصياته - الروائي الليبي أحمد إبراهيم الفقيه . كثيرا ما أجد من أصدقائي أصحاب التخصص الأكاديمي من يسألني على تنوع قراءاتي . لأنه في حين يبقى هو مرتبطا بموضوع تخصصه يحاول ان يلاحق الجديد في ميدانه إلى حد قد لا يجد معه الوقت للقراءة الحرة ، هذه القراءة التي تشكل للكاتب القصصي و الروائي مصدرا من مصادر إبداعه ، لان كل شئ يطالعه يمكن ان يدخل في محترف العمل الروائي بدءا من صفحة الحوادث في الجرائد إلى أية مادة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية أخرى . نعم ، يمكن للقراءة ان تكون مصدرا من مصادر الإبداع الروائي ولكن تبقى للتجربة الحياتية الأولوية في إمداد الكاتب الروائي بمادته بما في ذلك الشخصيات التي غالبا ما تكون تركيبا لأشخاص كثيرين يستحضرهم الكاتب ويستحضر بعض من خصائصهم ليعجنها ويصنع منها شخصية واحدة . اقتبس شكسبير لشخصية مسرحيته عطيل نصا شعبيا ايطاليا لكنه كساه لحما ودما وصنع منه شخصية اكبر من الشخصية في الحياة وهذا طبعا ينطبق على شخصيات كثيرة استقاها أصحابها من تراث شعبي مكتوب وشفهي كما في تراث المسرح الإغريقي حيث تحولت اغلب الشخصيات الرئيسية في الاوديسة والإلياذة إلى أبطال لأعمال درامية . شخصيات روائية أخرى كثيرة لها أصل في الواقع فإحدى أشهر الشخصيات الروائية وهي شخصية " زوربا " يتحدث العارفون بمؤلفها كازانتزاكس انه عرف شخصا اسمه زوربا بنى عليه هذه الشخصية الأسطورة ، لقد وجد بعض الملامح في زوربا الأصلي الذي كان شخصا بسيطا وعاديا يعمل عتالا ومتشردا فأضاف إليه من شخصيات أخرى ومن معارفه وخبراته وتجاربه وقراءاته ما جعل هذه الشخصية التي فتنت القراء كما فتنت المشاهدين بعد ان تجسدت على الشاشة في فيلم من بطولة انتوني كوين مصدر آخر أجد نفسي أعود إليه شخصيا في كتاباتي هو حياة الكاتب نفسه فهذه النفس بالتأكيد هي أكثر النفوس وأكثر الشخصيات التصاقا بالكاتب ولهذا نجد أدباء كثيرون يحاولون أغناء حياتهم بالتجارب والمغامرات والرحلات كما كان يفعل أدباء معاصرون أمثال ارنست هيمنحواي وجراها م جرين وقبلهما ماكسيم جوركي الذي عاش حياة الفقر والتشرد والمعاناة وجعل منها مادة لكتاباتهوعندما سئل " جوستاف فلوبير" من أين استقى " أما" بطلة روايته الشهيرة " مدام فلوبير"فأجاب بان " أما " أو مدام فلوبير هي أنا كتعبير عن مدى ارتباط الكاتب بشخصياته وكيف يمكن ان يستلهم حياته وتجاربه في رسم الشخصيات حتى النسائية منها إذا كان الكاتب رجلا . بالنسبة لعلاقة الكاتب بشخصياته فان درجة من الانفعال والاندماج بين الكاتب وشخصياته الرئيسية بل والتورط العاطفي معهم يبقى شيئا ضروريا لضمان الحيوية لما يكتبه ولهذا فلم يكن غريبا أن نقرا لماركيز بأنه كان يبكي بكاء حارقا عندما انتهى من كتابة روايته " مائة عام من عزلة " بوضع نهاية لحياة بطله الكولونيل اوليانو بويندا ومفارقة شخصياته التي تعيش في قرية ماكوندو. نعم الخيال هو الذي يدخل على المادة الخام المستقاة من الواقع ليصنع منها ادبا وإبداعا هو الذي يحيل شخصيات يمكن ان تكون مضجرة في الواقع الى شخصيات مثيرة تضيء بلهب الإبداع . الخيال هو الذي يجعل العمل الروائي والقصصي إبداعا يتفوق على أنواع أخرى تلتزم التزاما دقيقا بنقل الواقع مثل التاريخ والتراجم والسير الشخصية . ويتفق الروائي الأردني إبراهيم نصرا لله مع الفقيه في أهمية التجربة الحياتية ومعرفة المكونات الثقافية و الإنسانية والنفسية للشخصية الروائية العلاقة بين الروائي وشخصياته علاقة شائكة في اعتقادي، وأي تفسير لها لن يكون التفسير الفاصل ، ولعل هذه العلاقة تختلف بين روائي وآخر، ففي حين يوزع أحدهم نفسه على الشخصيات ليكون هناك جزء منه، دائما، فيها، نرى أن هناك من يبتكر شخصيات قد لا يكون هناك وجود فعلي واقعي لها، وقد يُجمِّع الكاتب شخصية رئيسة من شخصيات كثيرة، في حين يعمد آخر إلى شخصيات واقعية، يبلورها، ويجد لها أسماء مستعارة. وقد قيل: لم يكن لزاما أن تقوم أجاثا كريستي بكل تلك الجرائم التي ارتكبتها شخصيات أعمالها كي تكتب تلك الأعمال.أحيانا تولد الرواية من حدث بسيط، أو فكرة لا شخصيات فيها، وأحيانا من خبر، أو موقف، أو مشهد. لكنها بالتأكيد لا تعود ذلك الحدث أو الفكرة أو..بالنسبة لي في هذا الأمر فإن القاعدة التي أستند إليها هي اللاقاعدة. لكن الشيء المهم الذي لا بد منه هو أن أدرك تماما المكونات الثقافية والإنسانية والنفسية للبطل، أي علي أن أدرك خبراته، ولا أستطيع أن أدرك خبراته إلا إذا كنت أدرك بنفسي هذه الخبرات. في الرواية مهما حلقت فإن أقدامك يجب أن تظل على الأرض، ولذلك أرى أن الروائي بحاجة لمعرفة الأشياء العظيمة، والأشياء المبتذلة في آن، فمعرفة موسيقى بتهوفن وحده، لا تؤهلك لكتابة رواية ناجحة، ولعل معرفتك لموسيقى وأغان من الدرجة العاشرة، وفهمك العميق لما تمثله، يمنحك رواية أغنى بكثير في بعض الحالات من معرفتك لموسيقى بتهوفن، لأن العمل الثاني بحاجة لهذه الأغنيات لا لبتهوفن.بالنسبة للشخصيات التي كتبت عنها، عملت قدر استطاعتي على أن أمنحها وجودها الإنساني كاملا، من الزاوية التي تحتاجها، ولذلك منحتها خبراتي، سواء الخبرات بصورتها القائمة، أو أحيانا تصرفت في خبراتي لكي أقلبها رأسا على عقب.بالنسبة لي تستهويني مسألة إيجاد النقيض، لأن ذلك مدعاة للبحث والتأمل وإفساح المجال للخيال أكثر، لأنني لا أكتب سِيَرَاً، بل روايات.أحمد الصافي قد يكون شخصا موجودا، وقد لا يكون، ولكنني أعرف الوسط الذي يتحرك فيه تماما، لأنني عملت في الصحافة ثمانية عشر عاما بصورة متصلة، ورأيت بأم عيني كيف يتم ترويض المثقفين ، وبعضهم كانوا من أصدقائي، وأقول كانوا، كما أن قضية المثقف والسلطة كانت تشغلني على الدوام، والرواية هي محاولتي لفهم هذه العلاقة، وبالتالي فما يربطني بأحمد الصافي هو صراع النقائض.وليس الأمر بعيدا عن محمد حماد، لقد اختبرتُ الصحراء شخصيا، ونقلت خبراتي بها مُصعَّدة للتعبير عن حالة إنسانية عامة، أما سعيد في حارس المدينة الضائعة فالمسألة أشد تشابكا، لأن شخصيته قد تكون أكثر اتساعا (وعلى المدى الزمني أيضا) من أحمد الصافي ومحمد حماد، والرواية ساخرة، لكن بالتأكيد لو لم أكن على هذه المعرفة بالأجواء الثقافية: السينمائية والغنائية.. لما استطعت كتابة هذه الرواية، فروائي لا يعرف السينما لا يستطيع أن يكتب رواية عماد الشخصية الرئيسة فيها هي التأثر بالسينما، كذلك فإن روائيا لا يعرف الصحراء، قد يستطيع تخيلها، لكنه قد لا يستطيع تقديم الصحراء شيئا محسوسا في روايته..في (حارس المدينة الضائعة) يختفي سكان عمان كما تعرفين ليوم واحد، ولا يبقى سوى سعيد، الذي كما قال عنه الدكتور فيصل دراج في دراسة له ( لا يحرس مدينة ضائعة إلا من هو أكثر ضياعا من هذا الشيء الضائع) وهذه معضلة بطل روايتي، الذي لا يغيب للمفارقة عن أي صفحة من صفحاتها. ولكنني سأقول لك شيئا، وهو أنه صدف أن كنت في عاصمة عربية قبل أسبوعين، وكنت أنوي البقاء فيها يوما أو يومين، وحين وضعت حقيبتي في الفندق، نزلت إلى الشوارع، كان اليوم يوم جمعة، فوجدت المدينة مغلقة، وعدد الناس قليل للغاية، اعترف أنني لم أحتمل هذه العاصمة، فعدت إلى الفندق، حملت حقيبتي، وغادرت البلد عائدا إلى بيتي.في البيت اكتشفت سبب كتابتي لهذه الرواية، كما لو أن كرهي لهذه العزلة والمدينة الصحراء، هو الذي دفعني لإلقاء هذا النموذج الممحو تماما فيها (سعيد). هل أتحدث عن طفل الممحاة أيضا، ولكن من زاوية الخواء العربي العام، عام النكبة، ربما. الاكتفاء بتصوير الواقع لا ينتج أدبا مختلف -الروائي التونسي إبراهيم درغوثي هذا السؤال يقودني إلى الحديث عن الراوي و الكاتب فمن جهة يحاول الكاتب ان يكون محايدا وهو يسرد نصوصه ومن جهة أخرى يحاول السارد أن يتخلص من هذا الكاتب الذي صنعه ودسه في نصه . من هنا نقول ان الكاتب لا يوجد في عالم خالِ وإنما هو يصنع شخصياته مما يعايشه من أحداث ومما يراه من بشر وموجودات ، الخيال يحضر لأننا لو اكتفينا بالواقع لا نتجنا أدبا مشابه لهذا الواقع ، أدبا لا يختلف عن الحياة العادية ، لذلك يتحول هذا الواقع إلى خيال يحَول المرويات إلى عالم عجيب وغريب يشطح فيه الخيال على هواه .ويفضل الروائي الليبي الصديق بودوارة ان يصنع شخصياته لتنتمي إلى عالم آخر ويجيب عن سؤالنا : منهجيا يستطيع الروائي أن يلتقط شخصياته من أرض الواقع كما هي دون حتى أن ينفض عنها غبار الواقع ، انه يستطيع أيضا ان يصقلها ويهذب من طبيعتها بعض الشئ وبامكانه أن يضيفها إلى خياله أو يضيف خياله إليها . هذا عن المنهج ولكن ودون أية قيود بامكان الروائي أن يخلق ، أن يتحول إلى اله صغير ويصنع من عجينة هذا الواقع شخوصاً تنتمي إلى واقع آخر لكنها تتكلم بلسان حال من يقرأ الرواية . شخصياً أفضل أن أصنع عجينة وأشكَل منها الشخوص ، أولئك القريبون مني أبطال قصصي ورواياتي المقبلة، صنيعة يدي . أليس الخيال متعة بحد ذاتها ؟! . أتعاطف مع شخصياتي وأحنو عليها - الروائي الليبي عبد الرسول العريبي لا أتصور بأن الكاتب حين ينصرف الى الإبداع والخلق الفني يبعد الخيال عن مخيلته أو يبعد الصدفة ، ولكنه في نفس اللحظة الفارقة بين الواقع وفضاء المخيلة ثمة حكاية صغيرة تولدت لديه جراء الاستماع أو القراءة أو المعايشة . وهذه الحكاية التي ستروي لنا قصة أو رواية في نهاية المطاف هي المرتكز الحقيقي للعمل الفني ، وبدونها سيجد الكاتب نفسه منخرطا في حفنة من الأكاذيب و السرديات اللامجدية .من هنا سنقول بأن ما يتقاسم الكتابة مع الكاتب هو الواقع ومدى تمدده في معرفته وآفاقه الذاتية بما يكون خلية حية داخل جسد الكتابة المفعم بالخيال وهي تتصدى للواقع ، على أن الصدفة التي ينتجها الحدث الاجتماعي هي وليدة كيمياء تظافرت فيها معطيات النمو و البناء الدرامي مع التداعيات الحية لحركة شخوصه وانثيالهم داخل مناخ الكتابة . في جانب آخر من سؤالك نفترض إجابة غامضة لا تقل غموضا عن السؤال نفسه وهي أن الكاتب يتعاطف مع بعض شخوصه وليست جميعها ، ثم انه في بعض الأحيان يتمثل شخصية ما حية يحبها ويعرفها فتنتحلها إحدى شخصياته بوحي منه فتتميز داخل عمله الفني بحبه لها واستدراجها الى حافة مشاعره الذاتية الخاصة وهنا سنجد ما يسمى بالتآلف أو التعاطف مع هذه الشخصية المفترضة .وقد حدث معي هذا بوضوح في روايتي " تلك الليلة " حين جعلت من البطلة امرأة أحبها فعلاً ولهذا سيدرك القارئ الحذق مدى حنوي عليها والتماس النجاة لها ومن ثم السمو بها أخلاقيا حتى لا يجرح ما يكنه لها من حب . على انني أستدرك هنا اللحظة حتى لا أقع في حبائل سؤالك الملغم .. فأقول ان الكتابة سلطة مهيبة قد تجر الكاتب الى ما تريد وتبعده عن ما يريد وتلك مهمة غامضة يقع الكاتب فيها موقع الراوي أو السارد الذي يستلهم الواقع بكل تجلياته ، لكنه يفلت منه .خلود الفلاح - صحافية وشاعرة من ليبيا
السبت، 30 أغسطس 2008
مفاجأة الكسندر سولجنتسين انه لم يكتب سوى القليل من الروايات. جائزة نوبل للآداب التي نالها الكاتب الروسي عام 1970، وكان في الثانية والخمسين، لم تأتِ تتويجا لرحلة ادبية وصلت الى ذروتها، بل جاءت كجزء من الحرب الباردة الثقافية، التي كانت مشتعلة في ذلك الزمن. فالرجل كان مناضلا ضد الستالينية، أمضى ثمانية اعوام في معسكرات الاعتقال بسسبب رسالة كتبها الى احد اصدقائه منتقدا فيها جوزف ستالين ومقارنا اياه بلينين، وحين خرج استاذ الرياضيات والعلوم من معتقله، وجد نفسه في قلب المعركة. الجندي الشجاع الذي قاتل دفاعا عن لينينغراد، كان يرى في نفسه نبيا، وكان الأدب وسيلته للوصول الى الناس. انه سليل تاريخ الالتباس بين النبوة والأدب، من انبياء العهد القديم وصولا الى انبياء القرن العشرين.
لكن سولجنتسين، عكس انبياء زمنه، الذين توجهوا الى المستقبل، من فرويد الى ماركس الى لينين، كان يرى مستقبله في الماضي. هوسه السلافي وحنينه القيصري جعلاه نبياً لموقف اخلاقي اثار استهجان المعجبين، وفرض عليه عزلة النهاية في وطنه.
حين هاجر سولجنتسين الى منفاه في ولاية فيرمونت، اصيبت الدوائر النقدية والاعلامية الاميركية بالاحباط. اذ بدا الرجل متعصبا ورجعيا. يتكلم كالانبياء لكن رسالته تريد اعادة العالم السلافي الى ما قبل الحرب العالمية الأولى. كأنه اراد ان يمحو لا النظام الشيوعي فحسب، بل الهوية الأوروبية للروسيا. فروسيا التي يكتبها الروس بـ ال التعريف يجب ان تضاف اليها كلمة المقدسة، كي تستقيم في الذاكرة في وصفها نسيج وحدها، ووارثة الامبراطورية البيزنطية، ومركز الارثوذكسية في العالم.حكاية سولجنتسين مع الأدب والشهرة، كانت وليدة سوء تفاهم عميق. نظر الغرب الى مؤلف "جناح السرطان" في وصفه وارثا لدوستويفسكي. لكن الرجل كان في مكان آخر. حتى الدور الذي رسمته له الحرب الباردة، قام بتمزيقه لحظة مغادرته الاتحاد السوفياتي، كي يعلن نبوته السلافية، ويتخلى عن كتابة الأدب، منصرفا الى كتابة تاريخ روسيا في عشرة اجزاء.
عندما صدرت روايتاه، "يوم في حياة ايفان دنيسوفيتش" و"جناح السرطان"، في اواخر ستينات القرن الماضي، بدا سولجنتسين كاتبا "منشقّا"، يتابع تراث بوريس باسترناك، متخليا عن شاعرية هذا الأخير وملحميته، لمصلحة ادب تصويري واقعي، يتميز بقدرته على تحويل يوم في معتقل، او مستشفى لعلاج السرطان، الى استعارة للمعتقل الروسي الكبير الذي صنعته الديكتاتورية الستالينية. لكن الرجل انعطف بالرواية الى مطارح جديدة في ثلاثية "ارخبيل الغولاغ"، حيث صارت الرواية اشبه بوثيقة تاريخية مرعبة عن زمن الوحشية الستالينية.
اثارت "ارخبيل الغولاغ" كل المواجع الروسية. اذكر حين صدرت للمرة الأولى في باريس باللغة الروسية، كيف كان وقعها على الجالية الروسية البيضاء. اصيبت ارملة الكاهن الارثوذكسي الروسي التي تعيش في باريس، بما يشبه الهوس الغولاغي، وهي تروي لي بكلام عاطفي تترقرق فيه الدموع حكايات معسكرات الاعتقال. كان ذلك عام 1972، وكنت كأبناء جيلي الذين ذهبوا الى الدراسة في فرنسا بعد ايار 1968، ممتلئا بهوس ديني من نوع آخر، صنعته الايقونة الغيفارية، والحلم الفلسطيني. ولم اكن على استعداد لتفهم كلام السيدة ستروفة، التي مزجت دعمها للحق الفلسطيني برفضها للديكتاتورية الستالينية، وعشقها للايمان المستقيم الرأي.المرأة الروسية البيضاء، التي كانت تشبه الأمهات، فتحت لي افق المقارنة بين دينين. لينين، العقلاني والاوروبي، لم يؤسس الدولة السوفياتية فقط، بل ذهبت به يعقوبيته الى تأسيس كنيسة جديدة، اسمها الحزب. وكان يجب ان يعتلي جوزف ستالين، التلميذ السابق في احد المعاهد الدينية، عرش الحزب والدولة، كي تتحول الشيوعية الى دين بكامل الرتب والاوصاف.
كانت الكتابة بالنسبة الى مؤلف "الأرخبيل"، احد معارج النبوة. من هنا جاء سوء تفاهمه مع الأدب ومع الغرب في آن واحد. لم يكن طموح سولجنتسين ان يصير دوستويفسكي القرن العشرين. مصير "الأبله"، او اسئلة "الجريمة والعقاب"، لم تكن تهمه. ما يهمه هو استعادة الروسيا لسلافيتها وروحانيتها ومناخاتها القديمة. لم يكن قديسا في السهوب الروسية البيضاء، ولا كاتبا يبحث عن اكتناه معنى الألم كباسترناك، او مؤرخا للشرط الانساني في الحرب الأهلية الروسية كشولوخوف، بل كان نبيا بلا نبوة. فالانبياء استعادوا السلف كي يؤسسوا مذاهبهم الجديدة، اما هذا النبي المزيّف فكان صرخة بلا صدى في وديان الماضي.منح الغرب الابن الروسي الشاطر جائزة نوبل قبل الاوان، وانتظر الكاتب المنفي كي يكون جزءا من وقود الحرب الباردة. لكن الرجل خيّب الأمال. وصل بلحية الانبياء وتعالي الحكماء الى اميركا كي يهجو الحضارة الغربية، مؤكدا تمايز الروسيا. انقطع عن الكتابة الأدبية وانصرف الى التبشير وكتابة التاريخ. المؤرخون لم يقبضوا الاجزاء العشرة من كتاب "العجلة الحمراء"، والادباء توقفوا عن متابعة هذا الادب الذي لا يشبه الأدب، فوجد الرجل نفسه في عزلة عن عالمه الروسي، وأمضى ايامه الأخيرة وحيدا ومعزولا.
روايات سولجنتسين الثلاث اضاعت أدبيتها في التوثيق، "يوم من حياة ايفان دنيسوفيتش" كانت بداية لم تكتمل. اضاعها الهوس النبوي الذي تصنعه المراحل التاريخية الصعبة. و"الارخبيل" صار وثيقة ادبية، اما الحلم السلافي فتكفلت العولمة تحجيمه، ولم تبق سوى صورة القيصر الأخير وقد حوّلته الكنيسة قديسا بحيث صار من المتعذر عليه استعادة عرشه الضائع. يستطيع الملوك ان يعتلوا عروش القداسة، مثلما فعل قسطنطين وامه هيلانة، اما القديسون فلا يصيرون ملوكا.هكذا ضاعت كل احلام الرجل دفعة واحدة، وتحطمت نبوته، لكن هوسه ببلاده وجرأته وكتاباته، جعلت منه احدى علامات القرن العشرين.
لكن سولجنتسين، عكس انبياء زمنه، الذين توجهوا الى المستقبل، من فرويد الى ماركس الى لينين، كان يرى مستقبله في الماضي. هوسه السلافي وحنينه القيصري جعلاه نبياً لموقف اخلاقي اثار استهجان المعجبين، وفرض عليه عزلة النهاية في وطنه.
حين هاجر سولجنتسين الى منفاه في ولاية فيرمونت، اصيبت الدوائر النقدية والاعلامية الاميركية بالاحباط. اذ بدا الرجل متعصبا ورجعيا. يتكلم كالانبياء لكن رسالته تريد اعادة العالم السلافي الى ما قبل الحرب العالمية الأولى. كأنه اراد ان يمحو لا النظام الشيوعي فحسب، بل الهوية الأوروبية للروسيا. فروسيا التي يكتبها الروس بـ ال التعريف يجب ان تضاف اليها كلمة المقدسة، كي تستقيم في الذاكرة في وصفها نسيج وحدها، ووارثة الامبراطورية البيزنطية، ومركز الارثوذكسية في العالم.حكاية سولجنتسين مع الأدب والشهرة، كانت وليدة سوء تفاهم عميق. نظر الغرب الى مؤلف "جناح السرطان" في وصفه وارثا لدوستويفسكي. لكن الرجل كان في مكان آخر. حتى الدور الذي رسمته له الحرب الباردة، قام بتمزيقه لحظة مغادرته الاتحاد السوفياتي، كي يعلن نبوته السلافية، ويتخلى عن كتابة الأدب، منصرفا الى كتابة تاريخ روسيا في عشرة اجزاء.
عندما صدرت روايتاه، "يوم في حياة ايفان دنيسوفيتش" و"جناح السرطان"، في اواخر ستينات القرن الماضي، بدا سولجنتسين كاتبا "منشقّا"، يتابع تراث بوريس باسترناك، متخليا عن شاعرية هذا الأخير وملحميته، لمصلحة ادب تصويري واقعي، يتميز بقدرته على تحويل يوم في معتقل، او مستشفى لعلاج السرطان، الى استعارة للمعتقل الروسي الكبير الذي صنعته الديكتاتورية الستالينية. لكن الرجل انعطف بالرواية الى مطارح جديدة في ثلاثية "ارخبيل الغولاغ"، حيث صارت الرواية اشبه بوثيقة تاريخية مرعبة عن زمن الوحشية الستالينية.
اثارت "ارخبيل الغولاغ" كل المواجع الروسية. اذكر حين صدرت للمرة الأولى في باريس باللغة الروسية، كيف كان وقعها على الجالية الروسية البيضاء. اصيبت ارملة الكاهن الارثوذكسي الروسي التي تعيش في باريس، بما يشبه الهوس الغولاغي، وهي تروي لي بكلام عاطفي تترقرق فيه الدموع حكايات معسكرات الاعتقال. كان ذلك عام 1972، وكنت كأبناء جيلي الذين ذهبوا الى الدراسة في فرنسا بعد ايار 1968، ممتلئا بهوس ديني من نوع آخر، صنعته الايقونة الغيفارية، والحلم الفلسطيني. ولم اكن على استعداد لتفهم كلام السيدة ستروفة، التي مزجت دعمها للحق الفلسطيني برفضها للديكتاتورية الستالينية، وعشقها للايمان المستقيم الرأي.المرأة الروسية البيضاء، التي كانت تشبه الأمهات، فتحت لي افق المقارنة بين دينين. لينين، العقلاني والاوروبي، لم يؤسس الدولة السوفياتية فقط، بل ذهبت به يعقوبيته الى تأسيس كنيسة جديدة، اسمها الحزب. وكان يجب ان يعتلي جوزف ستالين، التلميذ السابق في احد المعاهد الدينية، عرش الحزب والدولة، كي تتحول الشيوعية الى دين بكامل الرتب والاوصاف.
كانت الكتابة بالنسبة الى مؤلف "الأرخبيل"، احد معارج النبوة. من هنا جاء سوء تفاهمه مع الأدب ومع الغرب في آن واحد. لم يكن طموح سولجنتسين ان يصير دوستويفسكي القرن العشرين. مصير "الأبله"، او اسئلة "الجريمة والعقاب"، لم تكن تهمه. ما يهمه هو استعادة الروسيا لسلافيتها وروحانيتها ومناخاتها القديمة. لم يكن قديسا في السهوب الروسية البيضاء، ولا كاتبا يبحث عن اكتناه معنى الألم كباسترناك، او مؤرخا للشرط الانساني في الحرب الأهلية الروسية كشولوخوف، بل كان نبيا بلا نبوة. فالانبياء استعادوا السلف كي يؤسسوا مذاهبهم الجديدة، اما هذا النبي المزيّف فكان صرخة بلا صدى في وديان الماضي.منح الغرب الابن الروسي الشاطر جائزة نوبل قبل الاوان، وانتظر الكاتب المنفي كي يكون جزءا من وقود الحرب الباردة. لكن الرجل خيّب الأمال. وصل بلحية الانبياء وتعالي الحكماء الى اميركا كي يهجو الحضارة الغربية، مؤكدا تمايز الروسيا. انقطع عن الكتابة الأدبية وانصرف الى التبشير وكتابة التاريخ. المؤرخون لم يقبضوا الاجزاء العشرة من كتاب "العجلة الحمراء"، والادباء توقفوا عن متابعة هذا الادب الذي لا يشبه الأدب، فوجد الرجل نفسه في عزلة عن عالمه الروسي، وأمضى ايامه الأخيرة وحيدا ومعزولا.
روايات سولجنتسين الثلاث اضاعت أدبيتها في التوثيق، "يوم من حياة ايفان دنيسوفيتش" كانت بداية لم تكتمل. اضاعها الهوس النبوي الذي تصنعه المراحل التاريخية الصعبة. و"الارخبيل" صار وثيقة ادبية، اما الحلم السلافي فتكفلت العولمة تحجيمه، ولم تبق سوى صورة القيصر الأخير وقد حوّلته الكنيسة قديسا بحيث صار من المتعذر عليه استعادة عرشه الضائع. يستطيع الملوك ان يعتلوا عروش القداسة، مثلما فعل قسطنطين وامه هيلانة، اما القديسون فلا يصيرون ملوكا.هكذا ضاعت كل احلام الرجل دفعة واحدة، وتحطمت نبوته، لكن هوسه ببلاده وجرأته وكتاباته، جعلت منه احدى علامات القرن العشرين.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
