مفاجأة الكسندر سولجنتسين انه لم يكتب سوى القليل من الروايات. جائزة نوبل للآداب التي نالها الكاتب الروسي عام 1970، وكان في الثانية والخمسين، لم تأتِ تتويجا لرحلة ادبية وصلت الى ذروتها، بل جاءت كجزء من الحرب الباردة الثقافية، التي كانت مشتعلة في ذلك الزمن. فالرجل كان مناضلا ضد الستالينية، أمضى ثمانية اعوام في معسكرات الاعتقال بسسبب رسالة كتبها الى احد اصدقائه منتقدا فيها جوزف ستالين ومقارنا اياه بلينين، وحين خرج استاذ الرياضيات والعلوم من معتقله، وجد نفسه في قلب المعركة. الجندي الشجاع الذي قاتل دفاعا عن لينينغراد، كان يرى في نفسه نبيا، وكان الأدب وسيلته للوصول الى الناس. انه سليل تاريخ الالتباس بين النبوة والأدب، من انبياء العهد القديم وصولا الى انبياء القرن العشرين.
لكن سولجنتسين، عكس انبياء زمنه، الذين توجهوا الى المستقبل، من فرويد الى ماركس الى لينين، كان يرى مستقبله في الماضي. هوسه السلافي وحنينه القيصري جعلاه نبياً لموقف اخلاقي اثار استهجان المعجبين، وفرض عليه عزلة النهاية في وطنه.
حين هاجر سولجنتسين الى منفاه في ولاية فيرمونت، اصيبت الدوائر النقدية والاعلامية الاميركية بالاحباط. اذ بدا الرجل متعصبا ورجعيا. يتكلم كالانبياء لكن رسالته تريد اعادة العالم السلافي الى ما قبل الحرب العالمية الأولى. كأنه اراد ان يمحو لا النظام الشيوعي فحسب، بل الهوية الأوروبية للروسيا. فروسيا التي يكتبها الروس بـ ال التعريف يجب ان تضاف اليها كلمة المقدسة، كي تستقيم في الذاكرة في وصفها نسيج وحدها، ووارثة الامبراطورية البيزنطية، ومركز الارثوذكسية في العالم.حكاية سولجنتسين مع الأدب والشهرة، كانت وليدة سوء تفاهم عميق. نظر الغرب الى مؤلف "جناح السرطان" في وصفه وارثا لدوستويفسكي. لكن الرجل كان في مكان آخر. حتى الدور الذي رسمته له الحرب الباردة، قام بتمزيقه لحظة مغادرته الاتحاد السوفياتي، كي يعلن نبوته السلافية، ويتخلى عن كتابة الأدب، منصرفا الى كتابة تاريخ روسيا في عشرة اجزاء.
عندما صدرت روايتاه، "يوم في حياة ايفان دنيسوفيتش" و"جناح السرطان"، في اواخر ستينات القرن الماضي، بدا سولجنتسين كاتبا "منشقّا"، يتابع تراث بوريس باسترناك، متخليا عن شاعرية هذا الأخير وملحميته، لمصلحة ادب تصويري واقعي، يتميز بقدرته على تحويل يوم في معتقل، او مستشفى لعلاج السرطان، الى استعارة للمعتقل الروسي الكبير الذي صنعته الديكتاتورية الستالينية. لكن الرجل انعطف بالرواية الى مطارح جديدة في ثلاثية "ارخبيل الغولاغ"، حيث صارت الرواية اشبه بوثيقة تاريخية مرعبة عن زمن الوحشية الستالينية.
اثارت "ارخبيل الغولاغ" كل المواجع الروسية. اذكر حين صدرت للمرة الأولى في باريس باللغة الروسية، كيف كان وقعها على الجالية الروسية البيضاء. اصيبت ارملة الكاهن الارثوذكسي الروسي التي تعيش في باريس، بما يشبه الهوس الغولاغي، وهي تروي لي بكلام عاطفي تترقرق فيه الدموع حكايات معسكرات الاعتقال. كان ذلك عام 1972، وكنت كأبناء جيلي الذين ذهبوا الى الدراسة في فرنسا بعد ايار 1968، ممتلئا بهوس ديني من نوع آخر، صنعته الايقونة الغيفارية، والحلم الفلسطيني. ولم اكن على استعداد لتفهم كلام السيدة ستروفة، التي مزجت دعمها للحق الفلسطيني برفضها للديكتاتورية الستالينية، وعشقها للايمان المستقيم الرأي.المرأة الروسية البيضاء، التي كانت تشبه الأمهات، فتحت لي افق المقارنة بين دينين. لينين، العقلاني والاوروبي، لم يؤسس الدولة السوفياتية فقط، بل ذهبت به يعقوبيته الى تأسيس كنيسة جديدة، اسمها الحزب. وكان يجب ان يعتلي جوزف ستالين، التلميذ السابق في احد المعاهد الدينية، عرش الحزب والدولة، كي تتحول الشيوعية الى دين بكامل الرتب والاوصاف.
كانت الكتابة بالنسبة الى مؤلف "الأرخبيل"، احد معارج النبوة. من هنا جاء سوء تفاهمه مع الأدب ومع الغرب في آن واحد. لم يكن طموح سولجنتسين ان يصير دوستويفسكي القرن العشرين. مصير "الأبله"، او اسئلة "الجريمة والعقاب"، لم تكن تهمه. ما يهمه هو استعادة الروسيا لسلافيتها وروحانيتها ومناخاتها القديمة. لم يكن قديسا في السهوب الروسية البيضاء، ولا كاتبا يبحث عن اكتناه معنى الألم كباسترناك، او مؤرخا للشرط الانساني في الحرب الأهلية الروسية كشولوخوف، بل كان نبيا بلا نبوة. فالانبياء استعادوا السلف كي يؤسسوا مذاهبهم الجديدة، اما هذا النبي المزيّف فكان صرخة بلا صدى في وديان الماضي.منح الغرب الابن الروسي الشاطر جائزة نوبل قبل الاوان، وانتظر الكاتب المنفي كي يكون جزءا من وقود الحرب الباردة. لكن الرجل خيّب الأمال. وصل بلحية الانبياء وتعالي الحكماء الى اميركا كي يهجو الحضارة الغربية، مؤكدا تمايز الروسيا. انقطع عن الكتابة الأدبية وانصرف الى التبشير وكتابة التاريخ. المؤرخون لم يقبضوا الاجزاء العشرة من كتاب "العجلة الحمراء"، والادباء توقفوا عن متابعة هذا الادب الذي لا يشبه الأدب، فوجد الرجل نفسه في عزلة عن عالمه الروسي، وأمضى ايامه الأخيرة وحيدا ومعزولا.
روايات سولجنتسين الثلاث اضاعت أدبيتها في التوثيق، "يوم من حياة ايفان دنيسوفيتش" كانت بداية لم تكتمل. اضاعها الهوس النبوي الذي تصنعه المراحل التاريخية الصعبة. و"الارخبيل" صار وثيقة ادبية، اما الحلم السلافي فتكفلت العولمة تحجيمه، ولم تبق سوى صورة القيصر الأخير وقد حوّلته الكنيسة قديسا بحيث صار من المتعذر عليه استعادة عرشه الضائع. يستطيع الملوك ان يعتلوا عروش القداسة، مثلما فعل قسطنطين وامه هيلانة، اما القديسون فلا يصيرون ملوكا.هكذا ضاعت كل احلام الرجل دفعة واحدة، وتحطمت نبوته، لكن هوسه ببلاده وجرأته وكتاباته، جعلت منه احدى علامات القرن العشرين.
لكن سولجنتسين، عكس انبياء زمنه، الذين توجهوا الى المستقبل، من فرويد الى ماركس الى لينين، كان يرى مستقبله في الماضي. هوسه السلافي وحنينه القيصري جعلاه نبياً لموقف اخلاقي اثار استهجان المعجبين، وفرض عليه عزلة النهاية في وطنه.
حين هاجر سولجنتسين الى منفاه في ولاية فيرمونت، اصيبت الدوائر النقدية والاعلامية الاميركية بالاحباط. اذ بدا الرجل متعصبا ورجعيا. يتكلم كالانبياء لكن رسالته تريد اعادة العالم السلافي الى ما قبل الحرب العالمية الأولى. كأنه اراد ان يمحو لا النظام الشيوعي فحسب، بل الهوية الأوروبية للروسيا. فروسيا التي يكتبها الروس بـ ال التعريف يجب ان تضاف اليها كلمة المقدسة، كي تستقيم في الذاكرة في وصفها نسيج وحدها، ووارثة الامبراطورية البيزنطية، ومركز الارثوذكسية في العالم.حكاية سولجنتسين مع الأدب والشهرة، كانت وليدة سوء تفاهم عميق. نظر الغرب الى مؤلف "جناح السرطان" في وصفه وارثا لدوستويفسكي. لكن الرجل كان في مكان آخر. حتى الدور الذي رسمته له الحرب الباردة، قام بتمزيقه لحظة مغادرته الاتحاد السوفياتي، كي يعلن نبوته السلافية، ويتخلى عن كتابة الأدب، منصرفا الى كتابة تاريخ روسيا في عشرة اجزاء.
عندما صدرت روايتاه، "يوم في حياة ايفان دنيسوفيتش" و"جناح السرطان"، في اواخر ستينات القرن الماضي، بدا سولجنتسين كاتبا "منشقّا"، يتابع تراث بوريس باسترناك، متخليا عن شاعرية هذا الأخير وملحميته، لمصلحة ادب تصويري واقعي، يتميز بقدرته على تحويل يوم في معتقل، او مستشفى لعلاج السرطان، الى استعارة للمعتقل الروسي الكبير الذي صنعته الديكتاتورية الستالينية. لكن الرجل انعطف بالرواية الى مطارح جديدة في ثلاثية "ارخبيل الغولاغ"، حيث صارت الرواية اشبه بوثيقة تاريخية مرعبة عن زمن الوحشية الستالينية.
اثارت "ارخبيل الغولاغ" كل المواجع الروسية. اذكر حين صدرت للمرة الأولى في باريس باللغة الروسية، كيف كان وقعها على الجالية الروسية البيضاء. اصيبت ارملة الكاهن الارثوذكسي الروسي التي تعيش في باريس، بما يشبه الهوس الغولاغي، وهي تروي لي بكلام عاطفي تترقرق فيه الدموع حكايات معسكرات الاعتقال. كان ذلك عام 1972، وكنت كأبناء جيلي الذين ذهبوا الى الدراسة في فرنسا بعد ايار 1968، ممتلئا بهوس ديني من نوع آخر، صنعته الايقونة الغيفارية، والحلم الفلسطيني. ولم اكن على استعداد لتفهم كلام السيدة ستروفة، التي مزجت دعمها للحق الفلسطيني برفضها للديكتاتورية الستالينية، وعشقها للايمان المستقيم الرأي.المرأة الروسية البيضاء، التي كانت تشبه الأمهات، فتحت لي افق المقارنة بين دينين. لينين، العقلاني والاوروبي، لم يؤسس الدولة السوفياتية فقط، بل ذهبت به يعقوبيته الى تأسيس كنيسة جديدة، اسمها الحزب. وكان يجب ان يعتلي جوزف ستالين، التلميذ السابق في احد المعاهد الدينية، عرش الحزب والدولة، كي تتحول الشيوعية الى دين بكامل الرتب والاوصاف.
كانت الكتابة بالنسبة الى مؤلف "الأرخبيل"، احد معارج النبوة. من هنا جاء سوء تفاهمه مع الأدب ومع الغرب في آن واحد. لم يكن طموح سولجنتسين ان يصير دوستويفسكي القرن العشرين. مصير "الأبله"، او اسئلة "الجريمة والعقاب"، لم تكن تهمه. ما يهمه هو استعادة الروسيا لسلافيتها وروحانيتها ومناخاتها القديمة. لم يكن قديسا في السهوب الروسية البيضاء، ولا كاتبا يبحث عن اكتناه معنى الألم كباسترناك، او مؤرخا للشرط الانساني في الحرب الأهلية الروسية كشولوخوف، بل كان نبيا بلا نبوة. فالانبياء استعادوا السلف كي يؤسسوا مذاهبهم الجديدة، اما هذا النبي المزيّف فكان صرخة بلا صدى في وديان الماضي.منح الغرب الابن الروسي الشاطر جائزة نوبل قبل الاوان، وانتظر الكاتب المنفي كي يكون جزءا من وقود الحرب الباردة. لكن الرجل خيّب الأمال. وصل بلحية الانبياء وتعالي الحكماء الى اميركا كي يهجو الحضارة الغربية، مؤكدا تمايز الروسيا. انقطع عن الكتابة الأدبية وانصرف الى التبشير وكتابة التاريخ. المؤرخون لم يقبضوا الاجزاء العشرة من كتاب "العجلة الحمراء"، والادباء توقفوا عن متابعة هذا الادب الذي لا يشبه الأدب، فوجد الرجل نفسه في عزلة عن عالمه الروسي، وأمضى ايامه الأخيرة وحيدا ومعزولا.
روايات سولجنتسين الثلاث اضاعت أدبيتها في التوثيق، "يوم من حياة ايفان دنيسوفيتش" كانت بداية لم تكتمل. اضاعها الهوس النبوي الذي تصنعه المراحل التاريخية الصعبة. و"الارخبيل" صار وثيقة ادبية، اما الحلم السلافي فتكفلت العولمة تحجيمه، ولم تبق سوى صورة القيصر الأخير وقد حوّلته الكنيسة قديسا بحيث صار من المتعذر عليه استعادة عرشه الضائع. يستطيع الملوك ان يعتلوا عروش القداسة، مثلما فعل قسطنطين وامه هيلانة، اما القديسون فلا يصيرون ملوكا.هكذا ضاعت كل احلام الرجل دفعة واحدة، وتحطمت نبوته، لكن هوسه ببلاده وجرأته وكتاباته، جعلت منه احدى علامات القرن العشرين.

0 التعليقات:
إرسال تعليق