الجمعة، 27 يونيو 2008


العدد
27/06/2008
العدد
11034

تزفيتان تودوروف في كتابه «الأدب في خطر» النظريــة قبــل النــص
شوقي بزيع
كتاب الناقد وعالم اللسانيات البلغاري المعروف تزفيتان تودوروف «الأدب في خطر» لا يمكن أن ينظر إليه بوصفه كتاباً في السيرة ولا بوصفه كتاباً في نظرية الأدب أو طرائق تدريسه ولا بوصفه كتاباً في التذوق الأدبي والجماليات. ولكنه مع ذلك، ورغم كونه لا يتجاوز الصفحات الستين، يأخذ من كل هذه العناصر بمقدار، ويبدو أقرب الى الكشكول المعرفي الذي تتقاطع داخله السيرة الشخصية مع الشجون المختلفة المتصلة بتعريف الأدب وإشكاليات النقد الأدبي المعاصر، والأسباب التي تدفع طلاب الجامعات والمدارس، الفرنسية بوجه خاص، الى مجافاة النصوص الأدبية وعدم تذوقها. ولربما كان عنوان الكتاب مستوحى بشكل أساسي من هذه الإشكاليات التي تحرم الأدب من جاذبيته الجوهرية ومتعته الأبرز وتوقعه في شيك النظريات المعقدة والتناول الشكلي. في الفصل التمهيدي لكتابه «الأدب في خطر» يتحدث تودوروف عن طفولته في بلغاريا وعن ولادته في منزل مكتظ بالكتب والمصنفات، حيث كان والداه قيّمين على إحدى المكتبات العامة. ويروي كيف استطاع وهو لما يزل في الثامنة من عمره أن يقرأ على ركبتي جده رواية بكاملها تتجاوز صفحاتها المئتين والثلاثين. أما إشارته الى محاولته المتعددة لكتابة بعض القصائد التي وصفها بالرديئة ومن ثم الى كتابة مسرحية لم تكتمل ورواية لم يتجاوز ما كتبه منها الصفحة الواحدة، فلا تدل على تواضعه الجم فحسب، بل على اعتراف ضمني منه بأن النقاد الكبار قد لا يكونون في بادئ أمرهم سوى مبدعين فاشلين، رغم بعض الاستثناءات القليلة التي لا تكسر القاعدة. ولا يغفل تودوروف في معرض حديثه عن دراسته الأدبية في جامعة صوفيا الاشارة الى أن الأعمال الأدبية في بلغاريا الشيوعية كانت تقاس بمقياس الايديولوجيا المحضة أو بتوافقها مع العقيدة الماركسية اللينينية. وغالبا ما كانت هذه الاعمال تنقد بمرارة من الأساتذة، ويشار الى مؤلفيها باللوم والتقريع بسبب ميوعة مواقفهم من قضايا الثورة والنضال والطبقات المحرومة. والطريف في الأمر أن تودوروف اختار في دراسته علوم اللسانيات وجماليات النص لأنها ليست ذات حمولة ايديولوجية واضحة، بحيث يمكنه بواسطتها أن يتفادى الاصطدام بالمؤسسة التربوية الرسمية وما تفرضه من رؤى جامدة وجاهزة لمعنى الأدب ودوره. إلا أن الكوة التي افتتحت في ذلك «الستار الحديدي» المغلق تمثلت في حصول المؤلف على منحة الى فرنسا لإكمال تخصصه الدراسي. ولما كانت مدة المنحة لا تتجاوز السنة الواحدة، فقد حاول خلالها أن يلتهم كل ما تضمّه مكتبات باريس الضخمة من كتب ومراجع وأمهات، قبل أن يقرر البقاء في العاصمة الفرنسية التي اجتذبته الى أبعد الحدود باعتبارها مدينة كوزموبوليتية قابلة لاستيعاب كل من يفد إليها من بشر وأفكار وثقافات متباعدة. ومع ذلك فإن تودوروف لا يجد سهولة في العثور على ضالته المتمثلة في متابعة دراساته حول الاسلوب واللغة والنظرية الأدبية. وكان عليه ان يصطدم بالعديد من الاساتذة التقليديين، المأخوذين بتاريخ الأدب لا بالأدب نفسه، قبل أن يعرفه جيرار جينيت الى أحد الأساتذة الذين يديرون حلقة دراسية مميزة في جامعة السوربون، ولم يكف ذلك الاستاذ سوى رولان بارت نفسه الذي يضع حياة تودوروف برمتها أمام منعطف حاسم وجديد. نقد تدريس الادب قد تكون النقطة الأبرز في كتاب تودوروف متمثلة في نقده الجريء والمر للمؤسسة التعليمية الرسمية في فرنسا، ومن خلالها لسائر المؤسسات المعنية بتدريس الأدب. ففي المدارس الثانوية على سبيل المثال، تظهر برامج التدريس ان الهدف الاول للدراسات الأدبية هو «تكوين التفكير حول التاريخ الأدبي والثقافي، الأجناس الأدبية ومستويات الخطاب، تكوّن دلالة النصوص وخصوصيتها، الاستدلال وتأثير كل خطاب على متلقيه». وهو يعني ان الهدف الاول لتلك الدراسات هو تعريفنا بالأدوات التي تستخدمها تلك الدراسات لا بالنص الأدبي نفسه وما يحمله من معان ومضامين ودلالات اجتماعية وإنسانية. أي ان الطالب، وفق المؤلف، «لا يتعلم عماذا تتحدث الأعمال الأدبية، بل عماذا يتحدث النقاد أنفسهم». واذا كانت الغلبة اليوم، أي في تاريخ وضع الكتاب، هي للنظرة البنيوية للأدب، فإنها كانت قبل ذلك للنظرة التاريخانية التي تهتم بتمرحل الأدب وتطوره التاريخي. ولكن المشكلة لا تتغير في أي حال لان الدراسة تظل متعلقة بموضوع خارجي أو شكلاني ولا تقودنا الى معرفة القصدية النهائية والجوهرية للاعمال الأدبية ولا الى إيجاد المعنى الذي يتيح لنا فهماً أفضل للإنسان والعالم. لقد ظل النقد طوال قرن كامل خاضعا، وفق تودوروف، لهيمنة التاريخ الأدبي على التعليم الجامعي. أي الى دراسة الاسباب التي تفضي الى ظهور العمل الأدبي، والقوى الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يفترض أن النص الأدبي صادر عنها، ومن ثم دراسة تأثيرات النص على الجمهور أو على مؤلفين آخرين. أما بعد ذلك فقد أصبح العمل الأدبي معروضا باعتباره موضوعا لغوياً مغلقاً ومكتفياً بذاته. وهنا يتساءل تودوروف: ما جدوى دراسة الأدب اذا لم تكن سوى إيضاح للوسائل اللازمة لتحليله؟ وهو رداً على هذا الجنوح يرى أن من الاولى ان يعمد ذوو الشأن الى تدريس الأدب لا الى تدريس الدراسات المتعلقة به. كما يرى المؤلف ان التصوّر الشكلاني للأدب والطرائق الآلية لتوليد النص هي التي قادت من جهة اخرى الى الرؤية العدمية التي ترى أن الحياة هي طروء لكارثة مزمنة وان أشكال الدمار والعنف هي التي تفصح عن حقيقة الوضع البشري. وفي إطار هذه الرؤية، يتم في النصوص المكتوبة تسويق أدنى الانفعالات وأبشع المواقف وأتفه التجارب الجنسية، ما يؤدي في النهاية الى ظهور نوع من الأنانية المطلقة والانغلاق على الذات حتى لو كانت هذه الذات مدمرة ومجروحة في العمق. في الفصل المسمى «ماذا يستطيع الأدب؟» يعتبر تودوروف ان الأدب يستطيع أن «يمد لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب، ويقودنا نحو الكائنات البشرية الاخرى من حولنا ويجعلنا أفضل فهماً للعالم ويعيننا على أن نحيا. ليس لكونه تقنية لعلاج الروح فحسب بل لأنه، وهو كشف للعالم، يستطيع أن يحول كل منا من الداخل». ويرى تودوروف أن القارئ العادي الذي يستمر ضمن الاعمال التي يقرأها في البحث عن معنى لحياته هو على صواب ضد كل ادعاءات النقد الشكلاني أو العدمي، وإذا لم يكن كذلك فإن القراءة برمتها صائرة الى زوال. واذ يعمد المؤلف الى التفريق بين الأدب والفلسفة، يرى أن الاول يحملنا عبر الغناء أو السرد على ان نحيا تجارب فريدة، محاولا أن يصون ثراء العيش وتنوعه، بينما تعمل الثانية على معالجة مفاهيم نظرية خالصة وتنحو الى التجريد الذي يتيح لها صياغة قوانين عامة وشاملة. الحياة والفن يربط تودوروف أخيراً بين الجمال والحقيقة، معتبراً ان نظرية «الفن للفن» ليست في جوهرها منفصلة عن حقيقة ما قابعة في باطن النص وخفاياه، وهو ما يؤكد عليه بيت جون كتيس الشهير: «الجمال حقيقة، الحقيقة جمال». وحتى فلوبير الذي دافع بعناد عن استقلالية الأدب لا يغفل عن التذكير بشغفه بمعرفة العالم المسخرة من أجل الابداع، حيث الفن عنده هو الحقيقة ذاتها. وأوسكار وايلد، الممثل الآخر للمذهب الجمالي والذي يكثر بدوره من العبارات الحاسمة حول استقلالية الفن، يعود ليؤكد في مقولة جميلة له «بأن الحياة تحاكي الفن أكثر مما يحاكي الفن الحياة»، وهو ما تؤكده النماذج الروائية الفريدة في روايات بلزاك التي ما ان يخلفها حتى تدخل المجتمع المعاصر، ومنذئذ لا نكف عن معاشرتها. كأن وظيفة الفن العميقة هي ان يخلق انطلاقا من المادة الخام للوجود عالماً أكثر تميزاً وديمومة من العالم الذي تراه أعين البشر. على ان خلق هذا العالم، بحســــب تودوروف، يستلزم قبل كل شيء ان لا يقطع الأدب والفن صلتهما بالعالم الحقيقي.

حوار مع صنع الله ابراهيم


تاريخ العدد
27/06/2008
العدد
11034

لــو كــان أبــاً لصغــار لتــردد فــي رفــض الجائــزة صنع الله إبراهيم: لم أكتب كما أتمنى عن الجنس والدين... يتعبني التطرق إليهما
جهينة خالدية
سرقنا منه نصف ساعة.. في ركن منزو في فندق «كراون بلازا» ـ الحمراء، على هامش ورشة «الحريات الثقافية والإعلامية». باح الروائي المصري صنع الله ابراهيم بقليل منه. هو الذي خدمته الظروف قبل نشر كل رواية، وأحياناً هرّبتها من مقاصل الرقابة، إلا روايته الأولى «تلك الرائحة ـ 1966» التي صودرت بعد طبعها وقبل نشرها في ثم أفرج عنها بعد عشرين سنة. قليل من الوقت مع كاتب «اللجنة»، و«ذات»، والرواية الأجمل «التلصص ـ 2007» التي تسلل فيها من ثقب صغير الى طفولته، و«العمامة والقبعة ـ 2008». صنع الله ابراهيم الذي طرح على نفسه، بعد خروجه من السجن، أسئلة عدة: «ماذا أكتب وكيف أكتب؟» و«لماذ يتعين علينا ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور وروعة عبقها بينما الخراء يملأ الشوارع، ومياه الصرف الملوثة تغطي الأرض والجميع يشمّون الرائحة النتنة ويشكون منها»؟ لم يغير ابراهيم في «استراتجيته». ما زالت الوثيقة والمادة الأرشيفية أساس أعماله الأدبية، وما زال يعيش بين قصاصات الصحف وأخبارها، مكرسا جدلا حول أسلوبه التوثيقي الذي يرى البعض انه يفتقد الى الخيال أو الشاعرية. نسأله عن قدرة الكاتب على ممارسة الرقابة الذاتية في ظل القمع الموجود، وهل يمكنه في ظل سقف الحريات المتدني أن يرصد تغيرات المجتمع، والسياسة فيه، والكتابة عنها، لا سيما أنه عمد، منذ الستينيات، إلى طرح ظواهر متغيرة ومتقلبة في المجتمع المصري والعالم العربي. يجيب عن السؤال، بجملتين قصيرتين أو ثلاث. ثم يتذكر أنه قد سُئل لتوه أكثر من عشرة أسئلة، وكأننا سرقناها منه خلسة، ويكاد يكون هذا صحيحاً. يبتسم ويحمل جسده الى جلسة أخرى حول.. الحريات. } نتحدث عن الحريات وأنت نلت نصيبك من الرقابة والسجن، وصودرت رواية «تلك الرائحة» فور طبعاتها وقبل نشرها سنة .1966 منذ هذه التجربة وحتى اليوم، هل ترى تغيرات تتعلق بالحريات في مصر والعالم العربي، أم أننا لا نحقق سوى التراجع؟ ÷ لا تقدم في مسألة الحريات، ولا تراجع في مسألة الرقابة، أو العكس. المسألة لا تقاس بهذا الشكل. هناك نوع من الكر والفر بين كل طالب للحرية وكل سلطة رقيبة. هناك صدام مستمر بين فريقين، أول يشكل السلطة وآخر يضم صاحب الرأي، من كاتب، أو صحافي أو روائي.. من دون أن يستطيع الكاتب أو الروائي أن يتغلب على السلطة، أو ينهي مسألة الكر والفر. هذا أمر صعب جدا. } لم يطلق سراح «تلك الرائحة» إلا بعد عشرين عاماً. كيف يعود الكاتب إلى تلقّف روايته بعد كل هذه المدة؟ هل يعيد كتابتها أو يعدلها؟ وهل يحتاج إلى ذلك أصلاً؟ ÷ هذا أمر صعب. لا يمكن لكاتب أو روائي، بعد الانتظار، كل هذه السنوات، أن يمس رواية صودرت بسبب مقصل الرقابة. عندما عادت رواية «تلك الرائحة» الى النور، نشرت فوراً كما هي. من دون أي نية لتعديلها أو إعادة كتابتها أو تحديثها. } هل أصبحت بعد هذه التجربة الرقيب الذاتي لصنع الله ابراهيم؟ ÷ الاجابة عن هذا السؤال مسألة معقدة، فالرقابة الذاتية تعتمد على ظروف معينة، ولا يمكن تحديد ذلك سلفا أو تعميمه. الظروف هي التي تحدد كيف أكون رقيبا ذاتيا على نفسي. قد يضطر الكاتب أحياناً الى فرض درجة معينة من الرقابة. وفي أحيان أخرى، يرضخ إلى رقابة ذاتية شاملة. أما الخيار الثالث فيكون التوقف عن الكتابة تماما، مثلا. في المقابل يلجأ بعض الكتّاب الى اعتماد الرموز في الرواية، أو خلق مكان افتراضي غريب وعالم سحري ليكتبوا فيه ما يريدون. } وصنع الله ابراهيم يرضخ أيضا للظروف؟ ÷ لا، ليس كثيرا، لأن حظي كان جيدا. فمعظم ما نشرت، صودف أنه نشر في أوقات تميزت بضعف الرقابة. وأعطيكِ في ذلك مثلا: صدرت إحدى رواياتي، التي تهكمت على رئيس الجمهورية، عندما كان الرئيس منتخباً حديثاً، ويهتم لصيته ومظهره، ويروج لنفسه كرجل دولة ديموقراطي. ولم يجد مساعدوه في هذه الرواية ما يمكن أن يُخلق منه ضجة صحافية، واعتبروا أني سأصدر عدداً من النسخ، و«رواية وتعدي.. وعدّت»، وخدمتني الصدفة. } عندما لا تؤاتيك الصدف وترغمك الظروف، هل يمكن أن تهرب الى الكتابة باللغة الإنكليزية أو الألمانية؟ ÷ الكتابة بلغة معينة مثل جلدنا، لا يمكن ان نغيره. لا أعرف الكتابة بغير العربية، حتى لو كان هذا في سبيل المزيد من الحرية في رواياتي. } هل أفرغت في رواياتك كل مخزون عذاب السجن، الذي دخلته بين 1959 و1964 في سياق حملة شنّها جمال عبد الناصر على اليسار؟ أم إنك تترك شيئا لسيرة ذاتية تفصلها عن روايتك تماما؟ وهل يتشابه السجناء السياسيون في الدول العربية عموماً؟ هل تتشابه أنت مثلاً مع رواية «الآن هنا» لعبد الرحمن منيف؟ ÷ بالنسبة إلى الجزء الثاني من السؤال، أجد أنه من الممكن أن تتشابه الروايات التي تكتب في السجون. لكن تبقى لكل منها خصوصيتها، وعبد الرحمن منيف كاتب عظيم. أما في ما يتعلق بالسيرة الذاتية، فلماذا أكتب سيرة ذاتية وأنا أستطيع أن «أورط» نفسي في رواية، أعكس فيها أفكاري وآراء مختلفة؟ أفضل أن أكتب رواية تجمع عناصر متعددة على أن أكتب سيرة ذاتية تتحدث عن.. تتحدث عني! الجنس والدين } لكنك تشبه العديد من شخصيات رواياتك: رمزي سليمان في «شرف»، وبطل «اللجنة»، ورشدي في «وردة».. كأنك تترك الكثير من نفسك في معظم رواياتك بطريقة او بأخرى... ÷ نعم أنا أشبه الكثير من شخصياتي، الى درجة معينة. لا بد أن جزءا مني موجود في الرواية ويكون جزءاً منها. هكذا أترك بعضاً مني في رواية أنسجها، بدل السيرة الذاتية. } هل يؤدي هذا الى تكرار في السياق العام لروايتك؟ ÷ قد يحصل هذا، لكني بصراحة لم أفكر في هذا الموضوع. موضوع أسلوبي ومضمون رواياتي أو تشابهها من المواضيع التي يعذبني التفكير فيها، وأفضل ألا أخوض هذا النقاش مع نفسي. } هل لديك لائحة طويلة بالمواضيع التي تتعب صنع الله ابراهيم ايضاً؟ ÷ ما يتعبني ويعذبني يصاغ في السؤال التالي: الى أي مدى أنا قادر على التعبير عن المواضيع التي تهمني؟ الجنس واحد منها والدين كذلك. لغاية اللحظة، لم أكتب عن الجنس بالشكل الذي كنت أتمناه، أو موضوع الدين. هذان موضوعان يتعبني التطرق اليهما. } هل تعذبك الكتابة عن الجنس وعن الحب؟ ÷ طبعا. } ألهذا لم يكتب صنع الله ابراهيم رواية حب «خالصة» من دون خلفيات سياسية أو ايديولوجية؟ ÷ المرأة موجودة في كل رواياتي، في «وردة»، و«اللجنة»، وفي «التلصص». غالبا هناك قصة حب في روايتي. لكن ربما، في المستقبل القريب، أفكر بكتابة رواية حب فقط. رفض الجائزة } يؤمن البعض بأن أسلوبك ميكانيكي، آلي، وصف خارجي، لا خيال، لا يدخل العمق النفسي.. ورغم هذا، يعجب كثيرون منهم برواية «التلصص»، برغم برودة أسلوبها وصرامته.. فهل في هذه الرواية حنان وتلصص على العودة الى الطفولة؟ ÷ كل رواية من رواياتي تختلف عن الأخرى، من حيث الأسلوب والخصوصية. أما بالنسبة إلى أسلوبي، فهذا حكم النقاد، ومن حقهم أن يقولوا رأيهم، لكني لا أدافع عن نفسي ولا عن أسلوبي أو روايتي. } قلت إنهم اختاروك لجائزة الرواية العربية ,2003 التي تبلغ قيمتها 100 ألف جنيه مصري، «ليكسبوك في صفهم»، وأنت رفضتها. هل حققت موقفا شخصيا برفضك الجائزة، أم إنك استطعت التأثير على موقف عام يتضمن وضع المثقفين في مصر وعلاقتهم بالسلطة؟ ÷ رفضي للجائزة كان موقفا شخصيا، لكنه تحول لاحقا الى موقف عام. والدليل على ذلك الاجتماعات التي عقدت في هذا الاطار، والمناسبات التي نظمها مؤيدون لموقفي، بينهم اتحاد الكتاب. شُكرت على هذه الخطوة، ودعيت الى مناطق ومحافظات مختلفة في مصر، من أسوان الى الاسكندرية. أضيفي الى ذلك العدد الكبير من الرسائل الالكترونية والمكتوبة الداعمة التي تلقيتها، والتعليقات التي كتبت في الصحف، والاتصالات الهاتفية. } وكيف تلقيت ردة الفعل المنتقدة لرفضك الجائزة، من زملاء ومثقفين تربطهم علاقات جد وثيقة بالسلطة؟ ÷ طبعا كان هذا أمراً متوقعاً.. لم أبدِ أي اهتمام به أو بأي مما قالوه.. لكن المفاجئ بالنسبة إلي كان الكم الهائل من المواقف المشجعة والداعمة لرفضي الجائزة. لم أكن أتوقع صدور كل هذه المواقف. فوجئت بوجود حالة تأييد «رهيبة»جداً من المثقفين. واللافت أن الكثير من هؤلاء تعرف عنهم علاقتهم القوية بالسلطة. } كم نسبة من أيدوا مقارنة بمن انتقدوا؟ ÷ ليسوا الأكثرية، لكن الفكرة في وجود رموز، من بين المؤيدين، عملت وتعمل في الهيئات الحكومية، وهناك شباب خارج النظام.. لا كتلة واحدة تجمع المثقفين المؤيدين للحكومة. } وهل حققت موقفاً شخصياً أم موقفاً عاماً؟ عذرا على السؤال، لكن هل يحقق الرفض دعما معنوياً يغني عن ذلك المادي؟ ÷ هذا يعتمد على خصوصية كل حالة، ويرتبط بالظروف التي تحيط بكل شخص. } ماذا عن حالة صنع الله ابراهيم؟ ÷ إن كان صنع الله ابراهيم أباً لأطفال صغار، أتكبد عليهم مصاريف المعيشة والتعليم والصحة، لكنت ترددت في رفض الجائزة، وكنت خضعت إجباريا لكل هذه الظروف، بدل أن أقدم على موقف سياسي وأعلن رأياً شخصياً. وأكرر، هذا يعود إلى مسألة وجود أطفال، فقط لا غير. لكن لحسن حظي أنه لا أطفال صغاراً لدي. وأشدد على هذه المسألة التي لا تعتبر تفصيلاً صغيراً. في نهاية الأمر أنا أعتبر أني حققت ربحاً معنوياً، يساوي، أضعافاً مضاعفة، قيمة الجائزة. } هل تحاول الحكومات اليوم أن تغير استراتجياتها في القمع، وكسب المثقف الى صفها عبر جوائز ومكافآت مالية، لتجعله أسير السجن الكبير الذي تتحدث عنه في الكثير من رواياتك؟ ÷ لا شك في ذلك. لا شك في أن الجوائز واحدة من استراتجيات الحكومات لكسب المثقفين في صفها. لاحظي أن الجوائز تعددت وتنوعت، وارتفعت قيمتها المادية بشكل كبير جداً. والمانحون يكونون، بمعظمهم، من أجهزة السلطة أو الحكومات، أو من فريق معين هو جزء من السلطة بطريقة أو بأخرى. } هل ما زال صنع الله ابراهيم يؤمن بأن المواطن العربي «غير قادر على التكيف مع خسارة موقعه، ومع التحول الاجتماعي السريع» وأنه «ما زال يلتهم نفسه، بدل أن يثور ويتمرد».. كما كتبت في «اللجنة»؟ مع المقاومة ÷ لا أظن أن الوضع على ما هو عليه. تجري في العالم العربي، منذ فترة ليست بقصيرة، تغيرات عديدة. وتتراكم الأحداث السياسية والاجتماعية. هناك تغير يحصل. وهناك تراكم، في لحظة معينة، لا بد أن يحقق نقلة كيفية. المشكلة في العالم العربي أن التراكمات التي تؤدي الى تغيرات أو نقلة نوعية تتحقق بشكل بطيء، وهذا برأيي أمر طبيعي. الأهم انه على الرغم من كل هذا، لا أشعر بالتشاؤم أبدا إزاء مجريات الأحداث أو الأوضاع في بلداننا، بل إني متفائل. ربما بدأت التراكمات، التي أتحدث عنها، منذ عام ,1967 لكن لا بأس، علينا بمزيد من الصبر ولا بد أن نشهد تغييراً نوعياً. } لكننا في ,.2008 كم من الوقت يلزمنا بعد لنراكم؟ وكم من الانتظار علينا أن نرتكب؟ ÷ لا بأس بمزيد من الانتظار. لا بأس بمزيد من التريث. لا بأس بمزيد من الصبر. لا يسعني أن أحدد كم من الوقت سننتظر بعد، أو كم من الوقت نحتاج لنرى اختلافاً في المشهد على الساحة العربية. قد تحصل ثورة ما، ثورة نفسية للشعوب، أو صدمة على صعيد العالم العربي كله. الأهم ألا ننسى أن الأنظمة في العالم العربي كله في حالة أزمة. الأزمة هذه لا بد أن تُحلّ. والحل المنطقي يقول ان التغيير سيكون على حساب الأنظمة العربية. أما في ما يتعلق بآلية التغيير، فذلك يعتمد على خصوصية كل بلد ونسيج كل مجتمع. قد لا تنجح بلدان معينة في إحداث أي تقدم، إلا بعد انقلابات. وأنظمة أخرى قد تزيحها الانتخابات. وفي حالة ثالثة قد نشهد تدخلات دولية، وصراعات بين القوى المتقابلة في العالم (أميركا ـ ايران). } سجن صنع الله ابراهيم بسبب يساريته. اليوم ينحسر دور المشروع اليساري في العالم العربي، وتملأ الساحات مشاريع إسلامية. كيف تقارب انتقال المقاومة من اليسار العلماني إلى المقاومة باسم الدين والأمة؟ ÷ أنا مع المقاومة بأشكالها كلها، بغض النظر عن الفريق الذي يقاوم. لا يمكن أن ننسى المواجهة الرائعة لحزب الله مع الجيش الاسرائيلي على مدى السنوات الماضية، لا سيما خلال حرب تموز الأخيرة. } .. على الرغم من كل الانقسام حول حزب الله اثر الأحداث الأخيرة في بيروت؟ ÷ ما حصل مؤخراً، حالة تتعلق بلبنان ولا أستطيع الكلام عنها، لأني بصراحة غير مطلع على تفاصيلها وحيثياتها. ككاتب، أهتم لفكرة وجود المقاومة، وأؤمن بأن فعل المقاومة يمكن أن يتبناه أي شخص، أو أي فريق. المقاومة ليست حكرا على طرف دون آخر، أو مشروع دون آخر، بل تتسع لكل الأطراف وكل الاتجاهات، حتى لو كانت بالنسبة إلى البعض باسم الله. لهم كل الحرية. المهم انهم يقاومون العدو. من جهة ثانية أقول إني قد أختلف بالرأي مع حزب الله أو حماس، لكني أؤيدهما في شق المقاومة وأعتز بهما.