الأربعاء، 22 أبريل 2009

لما نكتب الرواية عبير اسبر


كلما هاجمتنا أسئلة الفضول، باحثةً عن معانٍ ما، تتقصّى بإلحاح أجوبة محددة، كلما ازددنا إرهاقاً، وبعداً عن هواجسنا الأولى، تلك التي دفعتنا لنكون من "نحن" عليه، ما هي صفاتنا المعرّفة، رؤيتنا للعالم، تعاملنا مع الصور في المخيلة، والتجليّات الأكثر انعكاساً لإيماننا، وقناعاتنا. في لقاءات مكررة، أصبح من البديهي، والمخيف في آن، استقبال استفسارات من قبيل، متى نكتب؟ كيف نكتب؟ لم نكتب؟ تحقيقات مضنية يخضع لها الكتاب، حول تلك الأسرار الداكنة، والغموض اللذيذ المريب، الذي يحيط بالمساحة الغير مضاءة في منحنيات الوعي.. تلك النقط المعتمة، الخفية، المنتجة لما يسمى إبداعاً. برعب يفتش الكاتب دواخله، باحثاً عن جواب رصين، مثقف، مقنع ، جواب منتهٍ، من العيار المجدي، قادر على بتر أي استفسار، أو مناقشة. جواب يريده، متنحٍ عن التعاطف ربما، خاضع للمنطق في معظم الأحيان، له مبرراته الأخلاقية غالباً، لكن يبقى السؤال هل بإمكان أي صاحب رأي، أن ينجو بنفسه من مستنقع الانحياز، واتخاذ ما يلائم من قرارات سليمة إلى حد ما!؟



في كل يوم ، نفتح الجريدة، لنرى تكريماً، أو مناشدة، أو تحذيراً، أو حتى تكفيراً ما، من منظمة، أو جهة معينة لكاتب، لصاحب رأي، أو لمثقف، تطالبه بموقف، بوجهة نظر، بانحياز. لقضيتهم العادلة، لوجهة نظرهم المؤيدة، الشاجبة، أو أي موقف تم اتخاذه، أو تبنيه من قبل تلك الحكومة ،أو الهيئة صاحبة الدعوة، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد النفي، أو إصدار حكم إعدام، أو الحصار والتجاهل التاميين كما يحصل في أوربا، في حال الاختلاف في الموقف، أو الرأي، أو التجرؤ على هيبة أفكارٍ دينية، سياسية، أو نبذ عادة اجتماعية، وحتى مناقشتها..منذ أسابيع قليلة، قَبل الكاتب الياباني هاروكي موراوكامي من دولة اسرائيل، جائزة تحمل اسم "جائزة القدس لحرية الفرد في المجتمع" قبلها على الرغم من تحذيرات، ومطالبات من هيئات فلسطينية وعربية كثيرة، طلبت منه ألا يقبل تلك الجائزة مما يعني كما صرح موراكامي نفسه "تبرئة اسرائيل من جرائمها"، لكنه بالمقابل عندما قبل الجائزة، صرّح أنه لا يريد الاستماع لمن حذره من عاقبة ما فعل.. والسؤال الآن

كيف سيتم استقبال نتاج هذا الكاتب من كلا طرفي الصراع العربي – الإسرائيلي؟

وحالة الكاتب الياباني تطرح سؤال قديم جديد، متعب ومرهق..

هل من الممكن التحدث ببراءة، وتنح عن المنجز الأدبي الخاص بكاتب ما دون ربطه بظرف إنتاجه؟ الظرف التاريخي مثلا؟ هل من الممكن الهرب من شرط العيش الجغرافي، والانتقال على بساط الريح، وتأسيس عالم لم يوجد بعد؟ وهل بالإمكان الابتعاد بالمخيلة عن ذاكرةٍ مفرداتُ مُخيلتها، هي مفردات الذاكرة ذاتها!؟ ما هي نسبة ما يسمى إبداعا، جنونا، جديدا في أي إنتاج أدبي؟ أين هو الفردي في الأدب، أين تكمن تلك اللمسة ، البصمة، الاختلاف عن كل شبه ب"الآخر" ميزته الأولى أنه يشبهنا!؟

كيف تحرك تاريخ الأدب في العالم، هل خاض في بحار الدم، وحاكته معاناة الأمم؟ كيف وصلنا بهذا الشكل، والمضمون، والهواجس؟ ما هي اشكالاته التي خاضها، والمخاضات التي انزلق عبرها إلى نور وعينا، مع من اصطرع، وحروبه ضد من فعّلها؟ والحقيقة التي اقترحها، هل كانت حقيقة، أم فكرة الأدباء عن الحقيقة؟ أسئلة تحمل شرعية الاستفسار حولها، دائما وأبداً.

تحقيقات يخضع لها كل أديب حمل قلمه، مع أحد أو ضد أحد، يحمل الأدب صفة شاهد على الزمن، وعلى طرق التفكير، وعلى شكل وطبيعة المحن الإنسانية، تلك التي اختلفت بالتفاصيل، وتشابهت بمعناها الأعمق، بأسئلتها الأولى، البدئية. السلطات أدركت باكرا قوة الحرف، وهيمنة اللغة، رأت السلطة في الأدب، منعكساً هاماً للحياة، مرآة مباشرة، مسلطة على الوجوه الأبرز لفعاليات الدول، رأت انكساراتها في انكسارات أبطال الهامش في معظم الحكايات، أو في المغامرات الفنتازية للأبطال الملحميين، رأت انتصاراتها في حروب، ظلت دمائها تجري أنهاراً أياماً وأياماً، رأت جشعها، فشلها،انحطاطها في نتاج من عاشوا حيواتهم، في ظل تلك الظروف من عظمة أو فشل وخيبة وانحطاط.

انتقلت هيمنة النص الديني اللغوية، وقوة مفاهيمها، إلى أيد لاعبين محترفين، كانت اللغة مفتاحهم، ولعبتهم، قلّدوا في رصانة، أو في هزء ، تلك العظمة ، والاكتمال في النصوص المكتوبة. لكن ذلك التدوال للسلطة ظل يتراوح ما بين الأدباء، وما بين السلطويين "السّاسة"، كلعبة بينج بونج! أخذ ورد.. اعتبر السياسيون اللغة تمارينَ بلاغةً، كي يغرروا بمريديهم، وأتباعهم. فأتقنوا اللغة، ووسعوا مدارك رغباتهم عبر امتلاكها، فكانت الاستفادة عظمى، وفي معظم الأحيان مدمّرة

أدخلت معظم الدكتاتوريات الحاكمة في أوربا شعوبها، في غيبوبات لغوية، بلاغة فرانكو، وصراخ موسيليني، و خطابة هتلر، أوصلت العالم إلى خسارة 45 مليون بشري.. السلطات حكت عن انتصارات في حروب، ونجاحات في الغزوات، وإنقاذ للحكومات، ومال، وصناعات ، وأسواق مفتوحة.. وظل الأدباء يكسرون هيبة السلطة ويحكون حكايات بشر، أحبوا، قتلوا، جاعوا،تألموا، حكايات من لحم ودم، عن أصحاب حكايات من لحم ودم.. شكلت الحكاية، الكلمة، الفكرة، سلطة مهددة لهيبة الدول، سلطة تراقب كل السلطات، وعوا قوتها، فأرادوا محاصرتها، عبر المنع، والاضطهاد، والاعتقال، والتصفية أو الاعتناق والاحتفاء، و في بلداننا العربية عبر التهميش واللامبالاة، أو كما حصل لاحقاً، في الكثير من الحالات في الدول الراقية الأداء! حوصر منتجو الكلمة عبر التعهّير! شراء الأقلام، والأفكار، والعقول..

لكن المغازلة ظلت مغازلة عقارب، تنتظر موت الشريك بعد الانتهاء من وجبات المنفعة، طالب الأدباء بمساحتهم ، وطالبت السلطة بفهمها الخاص لسيرورة التاريخ، اختلفا، واختلفا، خاصة عندما كان المطلوب من كلا الطرفين متغيراً، منزلقا، مقلقلاً بحسب الأوضاع السياسية، والنظم الاجتماعية، والدينية..

الحرية كانت مطلبا دائما للأدباء، غير متراجع عنه، والحرية للسلطات هي بعبع مخيف ، طالما هدد كل نظام ، عانت السلطات الويلات في تكريسه ، وإرساء دعائمه. للاشتراكية أدبها، وأدبائها، للرأسمالية مواضيعها، ومريديها ، وحكاياتها، الثورة الصناعية فرضت مزاجها على منتجي الأدب ، لكن رائحة الفحم ، وطعم هبابه كان ينضح من أدب تشارلز ديكنز، ولندن الضاجة بصراخ سككها الحديدية، وأصوات الفقراء! ملكة انكلترا ، كان يُكتب لها أدب شكسبيري خاص، لإرضائها، كوميديا تضحكها، وقصص حب توقد مخيلتها، فصّل شكسبير، كثير من الحكايات على أمزجة العامة والخاصة، لكن عبقريته كانت تنفذ من حديد السلطات، وأمزجة الرعاع، وتقدم وجبة ترضي الجميع، وترضيه ذاته..

في وقت حاسم وحساس، عندما لا نستطيع إلا أن نكون مع ، أو ضد، عندما تضعك الحياة، في موقع الاختيار، في اللحظات التاريخية الأشد حرجا، تلك التي نطالعها يومياً، وتفرض نفسها على تفاصيلنا وقناعاتنا، عندما يطلب منك الصديق ، والعدو، والسفيه، والحكيم، والغوغائي رأياً، ماذا باستطاعة أدبك أن يحكي.. يطالبونك أن تحكي أنت.. في لحظات الكوارث الكبرى، طلب من مفكر إنساني مثل غوته، أن يكون ألمانيا ، ألمانيا فقط، فرفض ووسم بالعار، كما يوسم العبيد..

والآن في لحظات البشاعة العظمى، في فلسطين، والعراق، ولبنان، في السودان، في البؤر السريعة الاشتعال، والبؤر الكامنة، يطالب الأدباء بخوض حرب ما، بانحياز ما، بقرار نهائي، ووجهة نظر مقاتلة، جامعة مانعة، تقف مع، وضد.. والأخلاق تُطالب الأدباء بأقصى حالات الوعي التاريخي، يُطالبون بالصدق، والشجاعة والتنحي عن المصالح الضيقة، وتصفية الحسابات.. ما يجب أن يفعل في المحن الكبرى، هو خوض حروب فكرية ضد سلطات اليوم، شجعان الخطابة، مضللي البشر، معتنقي اللغة لإحالتها لضلال العقل، وإرساء روح القطيع والغوغاء.. كانت روحاً بديعة تلك المصالحة ، والفهم، والرأفة، والفرح، والتغاضي عن كل أشكال الاضطهاد، الديني، الثقافي، العرقي، العنصري، تلك التي ضجت، بصخبها وضحكها، وسِلمها في رواية صموئيل شمعون "عراقي في باريس"، كانت بديعة رغبة ج م كويتزي بالانحياز لصالح البشر الضعاف في جنوب افريقيا، وشهادته على مآسيهم في رواياته "خزي، و في حكاية وأوقات مايكل ك، و بانتظار البرابرة"، حفلة التيس كانت واحدة من شهادات الحق، كزانتزاكس، أدرك في زوربا اليوناني، أن الدماء لعنة تحل بكل مريق لها، وتخاض تحت رعاية نفس الألهة، حتى رفض الحرب كحل للمعضلات، أسماء وأسماء خاضت حروبها الفكرية، وأخلصت للأخلاق،أدبائنا نتمنى دوما أن تحمل أقلامهم سلاحا، في حروب يخوضها العقل، ولا تراق فيها الحياة، حتى لو كانت حياة نملة، تدب على قشة ذهبية، يحضنها النسيم، في كوكبنا الجميل.


عبير اسبر روائية وسينمائية سوريةabeer_esber@yahoo.com

السبت، 11 أبريل 2009

الربيع

خرجت اليوم ويغمرني دفء الربيع ,لي علاقة بالفصول وصفها شاتوبريون بما يلي:كلما كان الجو حزينا كلما شعرت بارتباطه مح حالتي الوجدانية:
في نيسان ومنذ وقت طويل تتفتح في حديقة أفكاري أزهار الوعي بالأشياء وهي التي مغلقة على نفسها لشهور جلت, وعي جديد على مستوى نظرتي لذاتي وللاخرين .
فالربيع يذكرني بحالة وسطية أي ما بين بين, ولانني دائما أبحث عن نصف الحلول أجد في فصلي هذا ما أبحث عنه ناهيك عن انه يحملني الى أوقات مضت لي في بلاد الروس والصقيع حيث تبدأ الطبيعة تخلع لباس الثلج لترتدي قميص الدفء
هو هواء منعش لرئة متجددة التنفس ,صوت جديد يعلو فوق غيره ويردد صداه سيل من الذكريات والحنين.
في كل ربيع أطلب من خيالي أن يحملني الى أماكن اخرى ويسكنني بين جدران الدفء والنور.